الشيخ الأنصاري
86
مطارح الأنظار
وبعدم انخلاعه عن صفة الوجوب مع سقوط الأمر لأن سقوط الأمر تارة بحصول الامتثال وأخرى بحصول العصيان والثاني يتحقق عند ترك المقدمة فلا يلزم المحذور مع سقوط الأمر والتكليف بمعنى الطلب الفعلي وذلك ظاهر فإن قلت قبل زمان الفعل كيف يتحقق المعصية ولو مع ترك المقدمة فإن التارك للسير إلى الحج قبل مجيء العرفة لا يعقل أن يكون مخالفا للأمر بالوقوف فيها لأنه موقت بوقت مخصوص قلت لا غبار على ذلك بعد ما مر مرارا من أن المدار في طريق الإطاعة والعصيان هو العرف وطريقة العقلاء في استخدام الموالي عبيدهم ونحن بعد ما راجعناهم نجدهم مطبقين على عقاب عبد مأمور بشيء في وقت مع ترك مقدمته قبل ذلك الوقت بل الانتظار إلى ذلك الوقت إنما يعدّ لغوا عندهم فيما هو المفروض من امتناع الفعل بعده نعم فيما لو كان الفعل محتمل الحصول بعد ترك المقدمة كان الوجه هو عدم الاستحقاق إلى أن يحصل الامتناع إما بحضور الوقت أو بغيره لكن قد عرفت أن الكلام ليس على هذه الملاحظة وقد يقال إنه يصدق على التارك للمقدمة قبل حضور زمان ذيها أنه حقيقة ترك نفس الفعل في وقته فليس ذلك من قبيل تقدم المعلول على العلة فيصدق على من لم يخرج مع القافلة الأخيرة أنه ترك الحج في ذي الحجة وفيه نظر لأن الفعل الملحوظ وقوعه في وقت تارة يكون انتفاؤه بواسطة انتفاء الوقت إما لعدم حضوره وإما لانقضائه وتارة يكون بواسطة انتفاء نفس الفعل في ذلك الوقت ولا شك أن عدم الفعل المذكور بواسطة عدم حضور زمانه فلا يصح استناده حقيقة إلى اختيار المكلف لعدم اقتداره عليه بعد انتفاء القيد والوقت فيكون العدم مستندا إلى ما هو الأسبق من أجزاء العلة في العدم وهو انتفاء الوقت نعم بعد حضور الوقت تنقلب النسبة فيصير الترك مستندا إلى الاختيار كما هو الثاني في أجزاء العلة فيما إذا انقلبت نسبة الوجود والعدم فيها بأن ينعدم الموجود بعد وجود المعدوم وذلك ظاهر فالحق في الجواب عن الشبهة المذكورة هو ما قلنا من أن العقلاء يستحسنون المذمة على عبد ترك المقدمة مع امتناع ذيها في حقه وإن لم يكن وقت الفعل حاضرا ولا حاجة إلى صدق قولنا إنه ترك الواجب حقيقة حتى يرد عليه ما ذكرنا ويمكن أن يجاب عن الدليل بوجه أخصر كأن يقال المستدل إن أراد إثبات وجوب المقدمة مع الحكم بعدم وجوب ذيها فهو مما لا ينبغي أن يصغى إليه وإن كان قد يظهر من المدارك والكفاية تبعا للأردبيلي حيث حكموا بعقاب الجاهل على ترك الفحص والتعلم دون الواقع ومن هنا أورد عليهم المحقق الجمال بأنه يلازمه القول بوجوب المقدمة دون ذيها وبالجملة فإن ذلك وإن أمكن القول به عقلا على أن يكون العقاب على الحركة الصادرة من المكلف ابتداء كما في التوليديات إلا أنه خروج عن الظاهر ومصير إلى خلافه مع انتفاء دلالة عليه على أن التحقيق أيضا هو استناد الأفعال التوليدية إلى المكلف نحو استناد غيرها من الأفعال الصادرة لا بواسطة والظاهر أن المستدل أيضا لم يكن مقصوده ذلك حيث إنه بصدد إثبات وجوب المقدمة بواسطة وجوب ذيها وإن كان يعطيه ظاهر الدليل كذا أفيد فتأمل وإن أراد المستدل إثبات وجوب المقدمة مضافا إلى وجوب ذيها فالدليل لا ينهض بإثباته لجريان الدليل على تقدير الوجوب أيضا كأن يقال لو وجبت المقدمة فلو تركها عصيانا فإما أن يكون الوجوب باقيا أو لا وعلى التقديرين يلزم المحذور أن على ما عرفت من لزوم كل منهما على تقدير ولا فرق في ذلك إلا فيما لا تأثير له في المقام من استناد الترك تارة إلى سوء الاختيار وأخرى إلى غيره وقد عرفت فساد الفرق المذكور بما لا مزيد عليه فالحكم بوجوب المقدمة لا يؤثر في رفع شيء من المحذورين الرابع من الأدلة ما استند إليه بعضهم من أنها لو لم تجب المقدمة لجاز التصريح بجواز تركها والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن انتفاء الوجوب إما بانتفاء فصله أو جنسه أيضا وعلى التقديرين يجوز الترك لأن جواز الترك يعم الأحكام الأربع وأما القول بالجواز عقلا لا شرعا بعد تسليم التفكيك بين الحكمين مما لا يجدي لما عرفت من أن المقدمة شرعا لا بد من أن يكون محكوما بأحد الأحكام الخمس إذ لا وجه لأن يكون مثل أفعال البهائم والمجانين مما لا حكم له وأما بطلان التالي فلأنه لا يستريب أحد في قبحه من الحكيم والجواب عنه أن التصريح بجواز الترك يقع على وجهين فتارة يكون على وجه يناقض التصريح بوجوب ذي المقدمة وأخرى على وجه لا يعد مناقضا للخطاب الدال على وجوب ذي المقدمة فالتالي في الشرطية المذكورة بطلانه مسلَّم على الوجه الأول لكن لا يستلزم الوجوب لأوله إلى عدم جواز التصريح بعدم وجوب الفعل بعد التصريح بوجوبه لاستلزام ذلك القبح على الحكيم وذلك أمر ضروري لا ينكر ولا نسلم بطلانه على الوجه الثاني بعد قطع النظر عما قدمنا لك من حكم الوجدان الصحيح بوجوب المقدمة وإن أراد المستدل بذلك ما قلنا من حكم الوجدان فهو في محله ولا غبار عليه الخامس ما تمسك به المحقق السبزواري في رسالته المعمولة في خصوص المسألة وهو أنها لو لم تكن واجبة بإيجابه يلزم أن لا يكون تارك الواجب المطلق عاصيا مستحقا للعقاب أصلا لكن التالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأنا نقول إذا كلف الشارع بالحج ولم يصرح بإيجاب المقدمات فرضا فتارك الحج بترك قطع المسافة الجالس في بلده إما أن يكون مستحقا للعقاب في زمان ترك المشي إلى مكة عند التضييق أو في زمان ترك الحج في موسمه المعلوم لا سبيل إلى الأول لأنه لم يصدر عنه في ذلك الزمان إلَّا ترك الحركة والمفروض أنه غير واجب عليه فلا يكون مرتكبا للقبيح فلا يكون مستحقا للعقاب ولا إلى الثاني لأن الإتيان بأفعال الحج في ذي الحجة ممتنع بالنسبة إليه فكيف يكون مستحقا للعقاب بما يمتنع صدوره عنه إذ لا يتصف