الشيخ الأنصاري
75
مطارح الأنظار
ترتب عليه الغير يكشف عن كونه واقعا على صفة الوجوب ولعله أخذه مما احتمله أخوه البارع في تعليقه على المعالم حيث جعل ذلك من محتملات كلام المعالم فإنه أفاد بعد ما نقلنا من عبارة المعالم في الهداية السّابقة وإنما خص الوجوب بها في تلك الحالة من جهة حصول التوصل بها عند أداء ما يتوقف عليها دون ما إذا لم يكن مريدا له ولا يتوصل بها إلى فعله حينئذ انتهى وقد عرفت فيما تقدم أن الظاهر من كلامه هو توقف الوجوب على الإرادة وعلى التقديرين فلا ريب في فساده لما عرفت وستعرف إن شاء الله والأولى نقل عبارته في المقام فإنها أوفي بمراده قال فيما مهّده من المقال لتوضيح الحال بعد تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري ثم هل يعتبر في وقوع الواجب الغيري على صفة وجوبه أن يترتب عليه فعل الغير أو الامتثال به وإن لم يقصد به ذلك لو يعتبر قصد التوصّل إليه أو إلى الامتثال به وإن لم يترتب عليه أو يعتبر الأمران أو لا يعتبر شيء منهما وجوه والتحقيق من هذه الوجوه هو الوجه الأول لأن مطلوبية الشيء للغير تقتضي مطلوبية ما يترتب ذلك الغير عليه دون غيره لما عرفت من أن المطلوب فيه المقيد من حيث كونه مقيدا وهذا لا يتحقق بدون القيد الذي هو فعل الغير وأما القصد فلا يعقل له مدخل في حصول الواجب وإن اعتبر في الامتثال به ثم فرع على ما أفاده فروعا أهمها تصحيح فعل الضد إذا توقف فعل المأمور به على تركه مع القول بوجوب المقدمة وقال في مقام آخر أن مقدمة الواجب لا يتصف بالوجوب والمطلوبية من حيث كونها مقدمة إلا إذا ترتب عليها وجود ذي المقدمة لا بمعنى أن وجوبها مشروط بوجوده فيلزم أن لا يكون خطاب بالمقدمة أصلا على تقدير عدمه فإن ذلك متضح الفساد كيف وإطلاق وجوبها وعدمه عندنا تابع لإطلاق وجوبه وعدمه بل بمعنى أن وقوعها على الوجه الواجب المطلوب منوط بحصول الواجب حتى أنه إذا وقعت مجردة عنه تجردت عن وصف المطلوب لعدم وقوعها على الوجه المعتبر فالتوصل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها لا من قبل شرط الوجوب وهذا عندي هو التحقيق الذي لا مزيد عليه وإن لم أقف على من يتفطن له قال والذي بذلك على هذا أن وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور وأيضا لا يأبى العقل أن يقول الأمر الحكيم أريد الحج وأريد المسير الذي يتوصل به إلى فعل الواجب دون ما لم يتوصل به إليه بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الأمر بمثل ذلك كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها إليه وذلك آية عدم الملازمة بين وجوب الفعل ووجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها إليه وأيضا حيث إن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب وحصوله فلا جرم يكون التوصل بها إليه وحصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون معتبرة إذا انفكت عنه وصريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا بمجرد حصول شيء آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه ويلزم منه أن يكون وقوعه على الوجه المطلوب منوطا بحصوله انتهى موضع الحاجة من كلامه وحاصل مرامه أن المقدمة باعتبار وجودها في الخارج نوعان أحدهما ما يترتب عليها ذوها والثاني ما لا يترتب عليها ما وجبت المقدمة لأجله كما إذا تخلفت عن ذيها لمانع اختياري أو اضطراري وما هو مطلوب للأمر إنما هو النوع الأول دون الثاني إذ لا يعقل طلب شيء من غير ما يدعو إلى طلبه والمفروض أن المقدمة ليست مطلوبة في حد ذاتها فالداعي إلى طلبها إنما هو ترتب الغير عليها فعند عدم الغير لا داعي إلى طلبها لأن المفروض أنه هو الداعي إلى ذلك باعتبار التوصل بها إليه فلو وقعت مجردة عنه يكشف عن عدم مطلوبيتها فإن انتفاء الغاية المترتبة على وجود الشيء في الخارج يكشف عن عدم وقوع ذلك الشيء على الوجه المطلوب ثم إنه ربما يتوهم أن القول بوجوب قصد الغير في الامتثال بالواجب الغيري يلازم القول باعتبار ترتب الغير في وقوع الواجب الغيري على صفة الوجوب وليس على ما توهم إذ لا ملازمة بينهما واقعا أما في المقدمات التوصلية كغسل الثوب ونحوه فظاهر إذ قضية القول الأول هو الوجوب مطلقا ومقتضى هذا القول هو التنويع فما يترتب عليه الغير يكون مطلوبا بخلاف ما لم يترتب عليه الغير وأما في المقدمات العبادية فلا ملازمة أيضا إذ مجرد القصد إلى الغير حال الاشتغال بالمقدمة يجزي عن وقوعها على وجه الامتثال وإن لم يترتب عليه فعل الغير لمانع اختيارا أو اضطرارا بناء على المختار بخلافه على القول المذكور فإنه لم يقع على صفة الوجوب فضلا عن وقوعه على صفة الامتثال عند التخلف فلا ربط بين المقامين بل للقائل بأحدهما في أحد المقامين اختيار كل من طرفي النفي والإثبات في المقام الآخر ولعل ذلك ظاهر ومن هنا ترى هذا القائل قد التزم باعتبار القصد في الامتثال بالواجب الغيري مع عدم اعتبار القصد في الوجوب كما يظهر من قوله وإن اعتبر في الامتثال به وكيف كان فوضوح فساد هذه المقالة بمكان لا نقدر على تصور ما أفاده فضلا عن التصديق به ونحن بمعزل عن ذلك بمراحل فإنه إما قول بوجوب خصوص العلة التامة من المقدمات ويلازمه القول بوجوب الأجزاء التي تركبت العلة منها فيئول إلى ما ذهب إليه المشهور وإما قول بعدم وجوب المقدمة وكشف الحال في ذكر ما يرد عليها تفصيلا فنقول يرد عليها أمور أمّا الأول فلأنه قد مر فيما تقدم مرارا أن الحاكم بوجوب المقدمة على القول به هو العقل وهو القاضي فيما وقع من الاختلافات فيه ونحن بعد ما استقصينا التأمل لا نرى للحكم بوجوب المقدمة وجها إلا من حيث إن عدمها يوجب عدم المطلوب وهذه الحيثية هي التي يشترك فيها جميع المقدمات وإن اختص بعضها بالاستلزام الوجودي [ كل ] في العلة التامة مثلا فما هو المناط في حكم العقل بوجوب المقدمة هو الاستلزام العدمي من حيث أن لوجودها مدخلا في وجود المعلول فملاك الطلب الغيري بالمقدمة هذه الحيثية