الشيخ الأنصاري
73
مطارح الأنظار
فلا يكاد يظهر الثمرة في هذا النزاع في المقدّمات الغير العبادية كغسل الثوب ونحوه ضرورة حصول ذات الواجب وإن لم يحصل فيه الامتثال على وجه حصوله في الواجبات الغيرية نعم يظهر الثمرة من جهة بقاء الفعل المقدمي على حكمه السابق فلو قلنا بعدم اعتبار قصد الغير في وقوع المقدمة على صفة الوجوب لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كانت مقدمة لإنقاذ غريق بل يقع واجبا سواء ترتب عليه الغير أو لا وإن قلنا باعتباره في وقوعها على صفة الوجوب فيحرم الدخول ما لم يكن قاصدا لإنقاذ الغريق كذا أفاد الأستاذ ولقائل أن يقول إن قضية الوجوب الغيري لا تزيد على أن المعتبر في وقوع المقدمة على صفة الوجوب أن لا يكون الآتي بها قاصدا لعدم الغير أو يكون غير ملتفت إليه وأما أنه لا بد من أن يكون قاصدا لوقوع الغير جزما فلا نسلم أنه مما يفضي به إلى الوجوب الغيري بل الإتيان بالمقدمة على وجه احتمال ترتب الغير عليه مما يكفي في وقوعها على صفة الوجوب ويظهر الثمرة فيما إذا أتى بالمقدمة رجاء لأن يترتب عليها الغير فإنها صحيحة بناء على ما ذكرنا بخلاف ما لو قلنا بما أفاده الأستاذ فليتأمل ثم إنه بعد ما عرفت من عدم وقوع المقدمة العبادية على صفة الوجوب فيما إذا لم يكن الآتي بها قاصدا للغير فهل يجزي في ترتب ذلك الغير الذي لم يكن مقصودا عليها فيما إذا كان الآتي قاصدا لغيره مما يترتب عليها ويصح القصد إلى غيره كما أن الوضوء إذا أتى به المكلف غير قاصد للصلاة مع القصد إلى غاية أخرى مما يترتب عليه كالطواف وقراءة القرآن ونحو ذلك أو لا يجزي عنه ولا يصح القصد إلى غيره فيما إذا كان واجبا والغير مندوبا وجهان فعلى الأول كما عن المشهور على ما نسبه جمال المحققين يصح الوضوء بعد دخول الوقت مع عدم إرادة الصلاة فيما إذا أريد به الكون على الطهارة وعلى الثاني لا يصح على ما ذهب إليه جمع من الأصحاب والتحقيق في المقام أن يقال أما حديث إجزاء المقدمة التي يراد بها غاية أخرى غير الغاية المقصودة عنها كما في الوضوء إذا قصد به الكون على الطهارة أو غيره عن الوضوء للصلاة فمبني على اتحاد حقيقة تلك المقدمة وعدم اختلاف ماهيتها باختلاف ذويها كما هو كذلك في الوضوء على ما استظهرناه من الأخبار الواردة فيه ولذلك قلنا بكفاية الوضوء لأجل غاية واحدة عن الوضوء في جميعها لأن المقدمة بعد ما كانت حاصلة لا وجه للأمر بإيجادها ثانيا لا يقال إن ذلك يتم فيما إذا كانت المقدمة من المقدمات التوصلية كما في غسل الثوب وأما إذا كانت عبادة كما في الوضوء فمجرد حصولها لا يكفي عما هو المقصود منها من حصول التعبد بها وقصد التقرب منها لأنا نقول لا ينافي كونها عبادة لما ذكرنا من حصولها وتحقيقه أن كون فعل عبادة تارة يلاحظ بالنسبة إلى الأمر الذي تعلق به وصار بملاحظة ذلك الأمر عبادة من حيث إن المطلوب الحقيقي فيه الامتثال وتارة يلاحظ بالنسبة إلى الامتثال الذي صار لأجله الفعل عبادة فبملاحظة نفس الفعل نقول بكونه تعبديا وأما مطلوبية الامتثال بذلك الفعل فمن المعلوم أنه واجب توصّلي ومطلوب غير تعبدي يسقط بمجرد حصوله في الخارج من غير توقف على شيء آخر فما هو المطلوب من الوضوء وهو وقوعه على وجه العبادة ووقوعه على ذلك الوجه مطلوب توصّلي لا ينافي كون الفعل المطلوب بواسطة الامتثال به واجبا تعبديا والمفروض وقوعه على جهة العبادة بواسطة الغاية المترتبة عليه من قراءة القرآن ونحوه فلا وجه للقول بعدم الإجزاء اللهم إلا أن يتعسّف بالتزام أن المطلوب هو الامتثال بالوضوء بواسطة الأمر الخاص المتعلق بغاية مخصوصة وهو كما ترى هذا على تقدير الاتحاد وأما على فرض اختلاف المقدمة كما في الأغسال وإن اتحدت صورة فلا إشكال في عدم الاكتفاء والإجزاء ولعلك بعد ما ذكرنا تطلع على ما هو الحق بالنسبة إلى صحة القصد إلى غاية مندوبة وصحة العمل الذي يراد به ترتب الغاية المندوبة فيما إذا لم يكن المكلف قاصدا للغاية الواجبة مع دخول الوقت وتوضيح ذلك الإجمال وتبيين هذا المقال هو أن يقال إنه إذا كانت ماهية واحدة مقدمة لعدة أمور بعضها واجب وبعضها مندوب كالوضوء للصلاة وقراءة القرآن ونحوهما فإن اختصّت تلك الماهية بشيء مما يخصّصها عند كونها مقدمة لكل واحد من تلك الأمور فلا ينبغي الإشكال في صحة إرادة الماهية التي هي مقدمة للمندوب إذ لا مدخل لما هي مقدمة للواجب في ذلك فإن وجوب ماهية لا ينافي استحباب ماهية أخرى مضادة لها وهو ظاهر وإن لم يتخصّص تلك الماهية بمخصّص كأن يكون بعينها من غير ملاحظة اعتبار موجب لاختلافها مقدمة للواجب وهي بعينها مقدمة للمندوب فلا ينبغي الارتياب في عدم صحة إرادة الغاية المستحبة بعد العلم بفعلية الوجوب فيها باعتبار وجوب الغاية المترتبة عليها إذ لا ريب في تضاد الاستحباب والوجوب والماهية الواحدة من حيث وحدتها على ما هو المفروض يمتنع أن يكون موردا للمتضادين ومن هنا ينقدح لك فساد ما عسى أن يتوهم من ابتناء الكلام في المقام على مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي إذ على تقدير التخصيص لا إشكال في الاختلاف والجواز وعلى تقدير عدمه لا إشكال في عدم الجواز حتى على القول بالجواز في تلك المسألة نعم على تقدير الاختلاف مع كون النسبة بين تينك الماهيتين عموما من وجه ففي مادة الاجتماع يكون من موارد اجتماع الحكمين المتنافيين وهما الوجوب اللازم من وجوب ذيها والاستحباب اللازم من استحباب ذيها فيبتني على مسألة اجتماع الأحكام المختلفة فإن قلت إن الماهية الكلية تصلح لأن يكون موردا للأحكام المختلفة فلا ضير في وحدة الماهية مع اختلاف الأحكام كما ترى في الدخول في الدار المغصوبة فإنها واجب وحرام باختلاف الغايات المترتبة عليه من الإنقاذ ونحوه قلت إن أريد أن الماهية الكلية من حيث وحدتها تصلح لذلك فهو ضروري الاستحالة وإن أريد أن تلك الماهية باختلاف أفرادها وإن كان الوجه في الاختلاف اختلاف القصد كما هو الظاهر من المثال المذكور تصلح لذلك