الشيخ هادي كاشف الغطاء

5

مستدرك نهج البلاغة

كتاب نهج البلاغة نبذه شافيه منه - ، ولكنها بالنسبة إلى كلامه عليه السلام وخطبه أقل من سدس : وخطبته الافتخارية المسماة بالعجاء . عجزت الفصحاء عن حل ألفاظها ، وأقروا بفصاحتها وبلاغتها ؛ وإلى هذا الوقت أكثرها مخفية وقول الشيخ أبي الفتح الآمدي في خطبة كتابه : ( غرر الحكم ودرر الكلم ) الذي جمعه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام على وضعٍ خاص « جمعت يسيراً من قصير حكمه وقليلاً من خطير كلمه ، تخرس البلغاء عن مساجلته ، وتبلس ( 1 ) الحكماء عن مشاكلة » ؛ وما أنا في ذلك علم الله إلا كالمغترف في البحر بكفه ، والمعترف بالتقصير وإن بالغ في وصفه ، وكيف لا وهو الشارب من الينبوع النبوي ، الجاري بين جنبيه العلم اللاهوتي إذ يقول : وقوله الحق ، وكلامه الصدق ، على ما أدته إلينا الأئمة النقلة « ان بين جنبيّ لعلماً جماً ، لو أصبت لي حملة » وأقوال غير هؤلاء م الأفاضل المهرة ، مع ما وقفنا عليه من خطب وحكم في كتب معتمدة وقطع موثقة ، ليس لها في النهج عين ولا أثر . ولا تعجب من كثرة ما نسب أله عليه السلام من نوابغ الكلم وبوالغ الحكم والخطب والكتب ، فإنها بجنب ما منحه الله تعالى من الإحاطة بالعلوم والمعارف والكمالات ، والفصاحة والبلاغة ، ليست إلا كغرفة من بحر أو غيض من فيض . ولقد كانت أيام خلافته أيام فتن وحروب ولدتها الأثئار والأذحال ، والتهالك على الحطام البائد ، ووجود السبيل للانتقام والتشفي ممن يبطن الكفر والنفاق ، وذلك مما يستدعي الاكثار من الوعظ والارشاد ، وبث النصائح والكتب ، وإزالة الشبه والتمويه ، والاستنهاض والاستنفار ، ومما يستوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمام الحجة وإصلاح ذات البين ، وهو عليه السلام ممن كان ولا يزال دائباً في ذلك ، يوضح مناهج الحق ويهتك حجب الضلال بأقواله وأفعاله وكتبه ورسله ولسانه وسنانه ، ولم يكن كغيره ممن يلهيه نعيم الدنيا ، وتهيّمه شهواتها وحطامها ، كما شهد له بذلك أعداؤه . وأما ما انتشر عنه ورواه الثقات الأثبات ، من الأدعية والأذكار ، وبيان الأحكام والوقائع ، فحدث عن فصاحته ، وبديع أساليبه ، ولا حرج . ولعمري إن ذلك لو تدتبره المتدبر البصير ، لكان له أقوى حجة وبرهان على أن من صدرت منه ممن لا يساجل ولا يبارى ولا يجدر أن يقاس به سواه ، وقد أعددت لما عزمت على جمعه واختياره من المصادر ما أتوصل به إلى المرام ، وبعد

--> ( 1 ) تبلس : يئس وتحير في أمره