الشيخ هادي كاشف الغطاء
43
مستدرك نهج البلاغة
قبلكم امتداد آمالهم وستر آجالهم ، حتى نزل بهم الموعود ، الذي تردّ عنه المعذرة ، وترفع عنده التوبة ، وتحلّ معه النقمة . وقد أبلغ اللَّه إليكم بالوعد ، وفصّل لكم القول ، وأعلمكم السنّة ، وشرع لكم المناهج ، وحثكم على الذّكر ، ودلكم على النجاة . وان من انتصح للَّه واستدل بقوله هداه للتي هي أقوم ، ووفقه للرشاد ، ويسّره للحسنى ، فإن جار اللَّه آمن محفوظ ، وعدوّه خائف مغرور ( 1 ) ، فاحترسوا من اللَّه بكثرة الذكر ، وتقربوا اليه بالطاعة . ألا وانّ رفعة الذين يعلمون ما عظمة اللَّه أن يتواضعوا له ، وعزّ الذين يعلمون ما جلال اللَّه أن يذلوا له ، وسلامة الذين يعلمون ما قدرة اللَّه أن يستسلموا له . واعلموا أنكم لم تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تتمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ، ولن تتلوه حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرّفه ، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى ، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي اعتدى ، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلَّف ، ورأيتم الفرية على اللَّه ورسوله ، والتحريف لكتابه ، ورأيتم كيف هدى اللَّه من هدى ، فلا يجهّلكم الذي يعلمون ، فاطلبوا علم القرآن من أهله ، فإنهم نور يستضاء به ، وأئمة بهم يقتدى ، وهم عيش العلم ، وموت الجهل ، يخبركم حكمهم عن علمهم ، وصمتهم عن نطقهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق ، وصامت ناطق ، فاعقلوا الحق عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية ، فان رواة الكتاب كثير ، ورعاته قليل ، واللَّه المستعان .
--> ( 1 ) كان الصالح في هذا المكان كلمة مهدور أو مغدور .