السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب

115

مصادر نهج البلاغة وأسانيده

10 - : وبعد ( 1 ) : فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب « نهج البلاغة » مصادفة بلا تعمل ، فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته ، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت ، وغارات شنت ، وان للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وان للأوهام عرامة ( 2 ) ، وللريب دعارة وان جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج ( 3 ) والقويم الأملج ، وتمتلج المهج بر وأضع الحجج فتفل من دعارة الوساوس ( 4 ) وتصيب مقاتل الخوانس . فما أنا إلا والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشك في خمود ( 5 ) ، وهرج الريب في ركود وأن مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( 6 ) .

--> ( 1 ) كان من حق هذه الكلمة أن تكون في الصدارة ولكني أخرتها عمدا كي لا يذهب تذوقها بحلاوة ما قبلها من الكلمات وفي نظري القاصر أن ( نهج البلاغة ) وان لم يوصف حتى الآن بما هو أهله - على كثرة الواصفين له - ولكن هذه الكلمة من خير ما وصف به . ( 2 ) العرامة : الشراسة ، والدعارة : سوء الخلق ، والجحافل : الجيوش ، والكتائب : الفرق منها ، والذرابة : حدة اللسان في فصاحة ، والكلام تخييل حرب بين البلاغة وهائجات الشكوك والأوهام ( 3 ) تنافح تضارب أشد المضاربة ، والصفيح : السيف والأبلج : اللامع البياض ، والقويم : الرمح ، والأملج : الأسمر . وهي مجازات عن الدلائل الواضحة القويمة المبددة للوهم وان خفي مدركها ، وتمتلج : أي تمتص ، والمهج : دماء القلوب والمراد لا تبقى للأوهام شيئا من مادة البقاء ( 4 ) فل الشيء : ثلمه ، والقوم هزمهم والحوانس : خواطر السوء تسلك من النفس مسالك الخلفاء . ( 5 ) المرج : الاضطراب : والهرج هيجان الفتنة . ( 6 ) قد فسر الأستاذ محمد محي الدين عبد الحميد معنى الألفاظ التي مرت من الكلمة لغة - كما مرّ - ولم يوضح مراد الشيخ الامام منها ، وأكبر الظن أن معنى ذلك أنه كان يسمع بالشبه والشكوك التي تحرم حول ( نهج البلاغة ) قبل اطلاعه عليه ، ولكنه بعد أن وقف عليه ، وأحاط خبرا بما فيه ، تبددت تلك الأوهام وتلاشت تلك الشكوك ، وخنست تلك الوساوس ، وأصبح من المتيقن لديه ، والمتعين عنده ، أن مدبر تلك الدولة ، هو المرتضى علي بن أبي طالب أخو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، لا المرتضى علي بن الحسين ولا اخوه الرضي محمد .