ابن تيمية
70
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
موضع ؛ فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة ، وإسحاق يمنع منهما ، وكانت الحجة مع الشافعي في جواز بيعها ، ومع إسحاق في المنع من إجارتها . وأما التخيير في الجارية فهو قول الشافعي ، ولم أجده منقولا ، لا عن أحمد ولا عن إسحاق ، كما نقل عنهما التخيير في الغلام . ولكن نقل عن الحسن بن حيَّ : أنها تخير إذا كانت كاعبا . والتخيير في الغلام هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق للحديث الوارد في ذلك حيث خير النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما بين أبويه ، وهي قضية معينة ، ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا ، والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف مخالف لإجماعهم ، والفرق بين تخيير الغلام والجارية أن هذا التخيير تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة كتخيير من يتصرف لغيره كالإمام والولي ، فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين ثم قد يصيب ذلك الأصلح للمسلمين فيكون مصيبا في اجتهاده ، حاكما بحكم الله ، ويكون له أجران ، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة كالذي ينزل أهل حصن على حكمه ، كما نزل بنو قريظة على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما سأله فيهم بنو عبد الأشهل قال : " ألا ترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ " فرضوا بذلك وطمع من كان يحب استبقاءهم أن سعد يحابيهم ، لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من الموالاة ، فلما أتى سعد حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " وهذا يقتضي أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر ، وإن كان لا بد من إنفاذه .