ابن تيمية
24
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
الصيغتين في الجواز فقط ، فإن قوله : ما رأيت من رجل ، إنما هو نص في الجنس ، لأن حرف من للجنس وأما نحو : ما رأيت رجلا فهو ظاهر في الجنس يقتضي العموم ، ويجوز أن يراد به مع القرينة نفي الجنس الواحد ، فيجوز للمتكلم أن يريد بكلامه ذلك ، كما يريد به سائر الاحتمالات المرجوحة . فإذا قال : إن خرجت إلا بإذني ، ونوي خروجا واحدا نفعه ذلك ، وحملت يمينه عليه ، ولو كان السبب يتقضي ذلك مثل أن تطلب منه الخروج إلى لقاء الحجاج فيقول : إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فهو كما لو حلف لا يتغدى إذا دعي إلى غداء ، ففيه قولان : هما وجهان في مذهب أحمد ، الصواب أنه يقتصر على ذلك الغداء ؛ لأن المفهوم من كلام الناس عرفًا ، والفرق بينه وبين ألفاظ الشارع أن العبرة في كلام الشارع بعموم لفظه لا بخصوص سببه ، ذلك لأن هناك تعارض قصد التخصيص وقصد التأسيس بالحكم فيرجح التأسيس ، لأن كلام الشارع منصوب له وهو موجب اللفظ ، وهنا لم يعرف أن غرض الحالف تأسيس المنع من الفعل ، فسلمت دلالة التخصيص من معارض ، فظهر أن قوله : إن خرجت بغير إذني ، مثل قوله : إن خرجت إلا أن آذن لك ، هذا خروج مقيد ، وهذا خروج مطلق ، كقوله : لا أتغدى أو لا أخرج ، ومع ذلك فإن تطلق نكرة ، وهذه الأفعال كلها للعموم عند الإطلاق ، لأنها نكرة في سياق غير موجب فيحمل عليه إذا نواه ، وكان مع السبب للخصوص على أصح القولين ، وهذا ظاهر في قلوب الناس ( 1 ) . وإن علق الطلاق على خروجها بغير إذن ثم أذن لها مرة فخرجت مرة أخرى بغير إذن طلقت ، وهو مذهب أحمد ؛ لأن خرجت فعل ، والفعل نكرة ، وهي في سياق الشرط تقتضي العموم .
--> ( 1 ) مختصر الفتاوى ( 543 ) ، ف ( 2 / 319 ) .