ابن تيمية

115

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

أحدهما : كون ذلك كفرا ، كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي ، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد . والمأخذ الثاني : لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس ، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم ، أنهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة ، وترك الرواية عنه ، والصلاة خلفه ، وهجره ، ولهذا ترك أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه ، ولم يتركوا الرواية عن القدرية الذين ليسوا بدعاة . وعلى هذا المأخذ : فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين ، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد . ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية ، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كذب عليه في حياته ، وهو حديث جيد ، لما فيه من تغيير سنته . وقرر أبو العباس هذا مع نظائر له في « الصارم المسلول ، على شاتم الرسول » كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك ، وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل المفرق بين جماعة المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة . ومن هذا الباب قتل الجاسوس المسلم الذي يخبر العدو بعورات المسلمين . ومنه الذي يكذب بلسانه أو خطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة : علماؤها وأمراؤها ، فيحصل بكذبه أنواع كثيرة من الفساد ، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله ، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا .