ابن تيمية

171

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

وقال القاضي أيضا : فصل يصح الاحتجاج بالمجاز والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع [ كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع ] ألا ترى إلى قوله : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } [ 43 / 4 ] ، يفيد المعنى وإن كان مجازا ؟ لأن الغائط هو الموضع المطمئن من الأرض استعمال في الخارج . قال : وكذلك قوله : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [ 22 ، 23 / 75 ] ومعلوم أنه أراد غير الوجوه ناظرة ؛ لأن الوجوه لا تنظر وإنما الأعين ، وقد احتج الإمام أحمد بهذه الآية في وجود النظر يوم القيامة في رواية المروذي والفضل بن زياد وأبي الحارث . وأيضا : فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب ، كقول الرجل لصاحبه : « تعال » أبلغ من قوله : يمنة ويسرة ، وكذلك قوله : « لزيد علي درهم » مجاز وهو أسبق إلى النفس من قوله : « يلزمني لزيد كذا درهم » وإذا كان يقع بالمجاز أكثر مما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به . قال شيخنا : قلت : كلامه كأنه يشتمل على أن المجاز يصير حقيقة عرفية أو أنه يكون هو الظاهر لما اقترن به ، فيكون هو الظاهر : إما لاستعمال غالب ، وإما لاقتران مرجح ، فإما مجردا ، وإما مقرونا ، وقد يكون أدل على المقصود من لفظ الحقيقة . وقوله : « أسبق إلى القلب » يراد به أن معنى لفظ المجاز أسبق من معنى حقيقة لفظ المجاز ، وأن ذلك المعنى أسبق من حقيقة ذلك المعنى ؛ فإن معنا حقيقتين : حقيقة بإزاء لفظ المجاز ، وحقيقة بإزاء معناه ، تلك عدل عن معناها ، وهذه عدل عن لفظها ، فالمتكلم بالمجاز لابد أن يعدل عن معنى حقيقة وعن لفظ حقيقة أخرى إلى لفظ