المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )
248
تفسير الإمام العسكري ( ع )
من بعده وأنتم ظالمون ) . قال الإمام عليه السلام : كان موسى بن عمران عليه السلام يقول لبني إسرائيل : إذا فرج الله عنكم وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربكم ، يشتمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله . فلما فرج الله تعالى عنهم ، أمره الله عز وجل أن يأتي للميعاد ، ويصوم ثلاثين يوما عند ، أصل الجبل ، وظن موسى أنه بعد ذلك يعطيه الكتاب . فصام موسى ثلاثين يوما [ عند أصل الجبل ] فلما كان في آخر الأيام ( 1 ) استاك ( 2 )
--> 1 ) " آخر اليوم " البحار . أقول : لم يقل " أواخر " ولا " آخر جميع " الأيام ، ولا " فصام ثلاثين يوما في آخر الأيام " . وعلى الجملة فلا دلالة على أنه استاك غير اليوم الأخير ، ولا على أن السواك أفطر صيامه . وأما أنه قال : " يصوم عشرا اخر " لا يوما واحدا ، ولا ثلاثين يوما ، فليس لنا في حكم الله أن نقول : لماذا يصوم عشرا اخر كما يكون في كفارة الافطار في رمضان أو قضائه ستين يوما ، أو دونه ، فراجع وتدبر . 2 ) لا ريب أن موسى عليه السلام وجد اثر صيامه خلوفا في فمه ، وزعم أن الخلوف غير طيب ، وينافى مناجاة الله تعالى ، فقال : " اجلك عن المناجاة لخلوف الصائم " فاشتغل بالاستياك عن مناجاته اجلالا له عز وجل . ويظهر من قوله تعالى " أما علمت " أن موسى عليه السلام وقت ذاك لم يتذكر أن خصوص هذا الخلوف - اثر الصيام - عند الله أطيب . قال الصادق عليه السلام : أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام : ما يمنعك من مناجاتي ؟ فقال : يا رب اجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم . فأوحى إليه : لخلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك . انظر : الكافي : 4 / 64 ح 13 ، ومن لا يحضره الفقيه : 2 / 76 ح 1779 ، وفضائل الأشهر الثلاثة : 121 ح 122 . بقي الكلام في أن الرواية تنافى ما اتفق على أن السواك ممدوح ، وأن الصائم يستاك ولا بأس به . . أقول : بيان ذلك أنه روى أن السواك والطيب من سنن المرسلين ، وأنه مطهرة للفم مرضاة للرب ، ومفرحة للملائكة وأن المصلى ما دام يكون في الصلاة فهو واقف بين يدي الله تعالى يناجيه . وأنه كان نبينا صلى الله عليه وآله يستاك لكل صلاة ، وقال : لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك . مع أن السواك سنة للوضوء ، ولكل صلاة ، وعند قراءة القرآن ، كما قال صلى الله عليه وآله : " نظفوا طريق القرآن . قيل : يا رسول الله وما طريق القرآن ؟ قال : أفواهكم . قيل : بماذا ؟ قال : بالسواك " . وبالجملة : لا ريب اذن في فضل الاستياك ، وأنه تطيب ، ولا يتطيب ريح المستاك بمثل ريح المسك . ولكن في هذه الرواية - مؤيدة برواية الكليني في الكافي المتقدم ذكرها نكتة مهمة في خطاب موسى عليه السلام : " أما علمت أن خلوف فم الصائم - بما هو صائم - أطيب عند الله - في مناجاته لا عند الناس - من ريح المسك " . ففي هذا تصريح بأن لهذا الخلوف فضلا واختصاصا لا يناله فضل التطيب بالاستياك والمسك . كيف لا وخلوف فم الصائم اثر اصطباره لعبادة ربه وشعاره فيما أمسك وأجهد بنفسه مخلصا . الا ترى في قوله تعالى : " سيماهم في وجوهم من أثر السجود " الفتح : 29 دلالة واضحة على مطلوبية أثر السجود ، وصفرة الوجه من أثر قيام الليل واحيائه بالعبادة ، وأما سمعت فضل زيارة الحسين عليه السلام للمسافر القادم وهو شعث أغبر على من زاره متطيبا . فالحاصل أنه لا منافاة بينهما ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . واما قوله : " هل يستاك الصائم ؟ قال لا بأس به " فان ظاهر سؤال السائل أنه لا يحتمل وجوبه بل منعه ، فيريد هل يفطر الصائم أم لا ؟ فالجواب " أنه لا بأس به " فتدبر واغتنم .