الغزالي

80

المستصفى

القطب الثاني في أدلة الاحكام وهي أربعة الكتاب والسنة والاجماع ، ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي ، فأما قول الصحابي وشريعة من قبلنا فمختلف فيه . الأصل الأول من أصول الأدلة كتاب الله تعالى واعلم أنا إذا حققنا النظر بان أن أصل الاحكام واحد ، وهو قول الله تعالى ، إذ قول مشغول الرسول ( ص ) ليس بحكم ولا ملزم ، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا ، فالحكم لله تعالى وحده ، والاجماع يدل على السنة ، والسنة على حكم الله تعالى ، وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفي الاحكام عند انتفاء السمع ، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه ، إلا أنا إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حقنا فلا يظهر إلا بقول الرسول عليه السلام ، لأنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل ، فالكتاب يظهر لنا بقول الرسول ( ص ) ، فإذن إن اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط ، إذ الاجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله ، وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو واحد ، وهو حكم الله تعالى ، لكن إذا لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب النظر فيها أربعة كما سبق ، فلنبدأ بالكتاب والنظر في حقيقته ، ثم في حده المميز له عما ليس بكتاب ، ثم في ألفاظه ، ثم في أحكامه . النظر الأول : في حقيقته ومعناه هو الكلام القائم بذات الله تعالى ، وهو صفة قديمة من صفاته ، والكلام اسم مشترك قد يطلق على الألفاظ الدالة على ما في النفس تقول : سمعت كلام فلان وفصاحته ، وقد يطلق على مدلول العبارات ، وهي المعاني التي في النفس كما قيل : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقال الله تعالى : * ( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) * ( المجادلة : 8 ) وقال تعالى : * ( وأسروا قولكم أو اجهروا به ) * ( الملك : 31 ) فلا سبيل إلى إنكار كون هذا الاسم مشتركا ، وقد قال قوم : وضع في الأصل للعبارات ، وهو مجاز في مدلولها ، وقيل عكسه ولا يتعلق به غرض بعد ثبوت الاشتراك ، وكلام النفس ينقسم إلى خبر واستخبار ، وأمر ونهي وتنبيه ، وهي معان تخالف بجنسها الإرادات والعلوم ، وهي متعلقة بمتعلقاتها لذاتها كما تتعلق القدرة والإرادة والعلم ، وزعم قوم أنه يرجع إلى العلوم والإرادات ، وليس جنسا برأسه ، وإثبات ذلك على المتكلم لا على الأصولي . فصل كلام الله تعالى واحد ، وهو مع وحدته متضمن لجميع معاني الكلام كما أن علمه واحد ، وهو مع وحدته محيط بما لا يتناهى من المعلومات ، حتى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، وفهم ذلك غامض ، وتفهيمه على المتكلم لا على