الغزالي
7
المستصفى
إنما يسمعه من قوله ، والاجماع يثبت بقوله ، والأدلة هي الكتاب والسنة والاجماع فقط ، وقول الرسول ( ص ) إنما يثبت صدقه وكونه حجة في علم الكلام ، فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادي العلوم الدينية كلها ، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام ، فالكلام هو العلم الاعلى في الرتبة ، إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات ، فإن قيل فليكن من شرط الأصولي والفقيه والمفسر والمحدث ، أن يكون قد حصل علم الكلام ، لأنه قبل الفراغ من الكلي الاعلى كيف يمكنه النزول إلى الجزئي الأسفل ؟ قلنا ليس ذلك شرطا في كونه أصوليا وفقيها ومفسرا ومحدثا ، وإن كان ذلك شرطا في كونه عالما مطلقا ، مليئا بالعلوم الدينية ، وذلك أنه ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مباد تؤخذ ، مسلمة بالتقليد في ذلك العلم ، ويطلب برهان ثبوتها في علم آخر ، فالفقيه ينظر في نسبة فعل المكلف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه ، وليس عليه إقامة البرهان على إثبات الافعال الاختياريات للمكلفين ، فقد أنكرت الجبرية فعل الانسان ، وأنكرت طائفة وجود الاعراض ، والفعل عرض ، ولا على الفقيه إقامة البرهان على ثبوت خطاب الشرع ، وأن لله تعالى كلاما قائما بنفسه هو أمر ونهي ، ولكن يأخذ ثبوت الخطاب من الله تعالى . وثبوت الفعل من المكلف على سبيل التقليد ، وينظر في نسبة الفعل إلى الخطاب فيكون قد قام بمنتهى علمه ، وكذلك الأصولي ، يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ، ودليل واجب الصدق ، ثم ينظر في وجوده دلالته وشروط صحته ، فكل عالم بعلم من العلوم الجزئية فإنه مقلد لا محالة في مبادئ علمه إلى أن يترقى إلى العلم الاعلى ، فيكون قد جاوز علمه إلى علم آخر . بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية ، لم يخف عليك أن المقصود كيفية اقتباس الاحكام من الأدلة ، فوجب النظر في الاحكام ، ثم في الأدلة وأقسامها ، ثم في كيفية اقتباس الاحكام من الأدلة ، ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الاحكام ، فإن الاحكام ثمرات ، وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها ، ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار . والثمرة : هي الاحكام ، أعني الوجوب ، والحظر ، والندب ، والكراهة ، والإباحة ، والحسن ، والقبح ، والقضاء ، والأداء ، والصحة ، والفساد ، وغيرها . والمثمر : هي الأدلة ، وهي ثلاثة : الكتاب ، والسنة ، والاجماع فقط . وطرق الاستثمار : هي وجوه دلالة الأدلة ، وهي أربعة ، إذ الأقوال إما أن تدل على الشئ بصيغتها ومنظومها ، أو بفحواها ومفهومها وباقتضائها وضرورتها ، أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها . والمستثمر هو المجتهد ، ولا بد من معرفة صفاته ، وشروطه ، وأحكامه ، فإذا جملة الا صول تدور على أربعة أقطاب . القطب الأول : في الاحكام والبداءة بها أولى ، لأنها الثمرة المطلوبة . القطب الثاني : في الأدلة ، وهي الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، وبها التثنية ، إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر . القطب الثالث : في طريق الاستثمار ، وهو وجوه دلالة الأدلة ، وهي أربعة : دلالة بالمنظوم ، ودلالة بالمفهوم ، ودلالة بالضرورة والاقتضاء ، ودلالة بالمعنى المعقول . القطب الرابع : في المستثمر ، وهو المجتهد الذي يحكم بظنه ، ويقابله المقلد