الغزالي

5

المستصفى

صدر الكتاب اعلم أن هذا العلم الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب ، وبنيناه على مقدمة وأربعة أقطاب ، المقدمة لها كالتوطئة والتمهيد ، والأقطاب هي المشتملة على لباب المقصود ولنذكر في صدر الكتاب معنى أصول الفقه وحده وحقيقته أولا ، ثم مرتبته ونسبته إلى العلوم ثانيا ، ثم كيفية إنشعابه إلى هذه المقدمة والأقطاب الأربعة ثالثا ، ثم كيفية اندراج جميع أقسامه وتفاصيله تحت الأقطاب الأربعة رابعا ، ثم وجه تعلقه بهذه المقدمة خامسا . بيان حد أصول الفقه اعلم أنك لا تفهم معنى أصول الفقه ما لم تعرف أولا معنى الفقه ، والفقه عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع ، يقال : فلان يفقه الخير والشر ، أي يعلمه ويفهمه ، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لافعال المكلفين خاصة ، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم الفقيه على متكلم وفلسفي ونحوي ومحدث ومفسر ، بل يختص بالعلماء بالأحكام الشرعية الثابتة للأفعال الانسانية ، كالوجوب ، والحظر ، والإباحة ، والندب والكراهة ، وكون العقد صحيحا وفاسدا وباطلا ، وكون العبادة قضاء وأداء وأمثاله . ولا يخفى عليك أن للأفعال أحكاما عقلية ، أي مدركة بالعقل ، ككونها أعراضا وقائمة بالمحل ومخالفة للجوهر ، وكونها أكوانا حركة وسكونا وأمثالها ، والعارف بذلك يسمى متكلما لا فقيها . وأما أحكامها من حيث إنها واجبة ومحظورة ، ومباحة ومكروهة ومندوب إليها ، فإنما يتولى الفقيه بيانها ، فإذا فهمت هذا ، فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام ، وعن معرفة وجوه دلالتها على الاحكام من حيث الجملة ، لا من حيث التفصيل ، فإن علم الخلاف من الفقه أيضا مشتمل على أدلة الاحكام ووجوه دلالتها ، ولكن من حيث التفصيل كدلالة حديث خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص ، ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص . وأما الأصول : فلا يتعرض فيها لاحدى المسائل ، ولا على طريق ضرب المثال ، بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والاجماع ، ولشرائط صحتها وثوبتها ، ثم لوجوه دلالتها الجميلة ، إما من حيث صيغتها أو مفهوم لفظها أو مجرى لفظها أو معقول لفظها وهو القياس ، من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة ، فبهذا تفارق أصول الفقه فروعه ، وقد عرفت