الغزالي
45
المستصفى
بسم الله الرحمن الرحيم القطب الأول في الثمرة وهي الحكم والكلام فيه ينقسم إلى فنون أربعة : فن في حقيقة الحكم ، وفن في أقسامه ، وفن في أركانه ، وفن فيما يظهره . الفن الأول في حقيقته ويشتمل على تمهيد وثلاث مسائل : أما التمهيد فهو أن الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين ، فالحرام هو المقول فيه : إتركوه ولا تفعلوه ، والواجب هو المقول فيه : إفعلوه ولا تتركوه ، والمباح هو المقول فيه : إن شئتم فافعلوه ، وإن شئتم فاتركوه ، فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم ، ، فلهذا قلنا : العقل لا يحسن ولا يقبح ، ولا يوجب شكر المنعم ، ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع ، فلنرسم كل مسألة برأسها . مسألة ( الحسن والقبح في الفعل ) ذهبت المعتزلة إلى أن الافعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة ، فمنها ما يدرك بضرورة العقل ، كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى ، وشكر المنعم ، ومعرفة حسن الصدق ، وكقبح الكفران ، وإيلام البرئ والكذب الذي لا غرض فيه ، ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي فيه نفع ، ومنها ما يدرك بالسمع ، كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات ، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة ، لكن العقل لا يستقل بدركه ، فنقول قول القائل : هذا حسن وهذا قبيح لا يحس بفهم معناه ما لم يفهم معنى الحسن والقبح ، فإن الاصطلاحات في إطلاق لفظ الحسن والقبح مختلفة فلا بد من تلخيصها ، والاصطلاحات فيه ثلاثة : الأول : الاصطلاح المشهور العامي ، وهو أن الافعال تنقسم إلى ما يوافق غرض الفاعل وإلى ما يخالفه وإلى ما لا يوافق ولا يخالف ، فالموافق يسمى حسنا ، والمخالف يسمى قبيحا ، والثالث يسمى عبثا ، وعلى هذا الاصطلاح إذا كان الفعل موافقا لشخص مخالفا لآخر فهو حسن في حق من وافقه ، قبيح في حق من خالفه ، حتى أن قتل الملك الكبير يكون حسنا في حق أعدائه ، قبيحا في حق أوليائه ، وهؤلاء لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله تعالى إذا خالف غرضهم ، ولذلك يسبون الدهر والفلك ويقولون ، خرب الفلك ، وتعس الدهر وهم يعلمون أن الفلك مسخر ليس إليه شئ ، ولذلك قال ( ص ) : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فإطلاق اسم الحسن ، والقبح على الافعال عند هؤلاء كإطلاقه على الصور ، فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت شخص قضى بحسنه ، ومن نفر طبعه عن