الغزالي

32

المستصفى

قولنا : كل مسكر حرام ، أخذا من النتيجة ، فإنا نقول فكل نبيذ حرام ، فتذكر النبيذ أولا ، ثم الحرام ، وغرض هذه التسمية سهولة التعر يف عند التفصيل والتحقيق ، ومهما كانت المقدمات معلومة كان البرهان قطعيا ، وإن كانت مظنونة كان فقيها ، وإن كانت ممنوعة فلا بد من إثباتها ، وأما بعد تسليمها فلا يمكن الشك في النتيجة أصلا ، بل كل عاقل صدق بالمقدمتين ، فهو مضطر إلى التصديق بالنتيجة ، مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال ، وحاصل وجه الدلالة في هذا النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف ، لأنا إذا قلنا : النبيذ مسكر ، جعلنا المسكر وصفا ، فإذا حكمنا على كل مسكر بأنه حرام فقد حكمنا على الوصف ، فبالضرورة يدخل الموصوف فيه ، فإنه إن بطل قولنا ، النبيذ حرام مع كونه مسكرا ، بطل قولنا : كل مسكر حرام ، إذا ظهر لنا مسكر ليس بحرام ، وهذا الضرب له شرطان في كونه منتجا شرط في المقدمة الأولى : وهو أن تكون مثبتة ، فإن كانت نافية لم تنتج ، لأنك إذا نفيت شيئا عن شئ لم يكن الحكم على المنفي حكما على المنفي عنه ، فإنك إذا قلت : لا خل واحد مسكر ، وكل مسكر حرام ، لم يلزم منه حكم في الخل ، إذا وقعت المباينة بين المسكر والخل ، فحكمك على المسكر بالنفي والاثبات لا يتعدى إلى الخل . الشرط الثاني في المقدمة الثانية : وهو أن تكون عامة كلية حتى يدخل المحكوم عليه بسبب عمومها فيها ، فإنك إذا قلت : كل سفرجل مطعوم ، وبعض المطعوم ربوي ، لم يلزم منه كون السفرجل ربويا إذ ليس من ضرورة الحكم على بعض المطعوم أن يتناول السفرجل ، نعم إذا قلت : وكل مطعوم ربوي ، لزم في السفرجل ، ويثبت ذلك بعموم الخبر ، فإن قلت : فبماذا يفارق هذا الضرب الضربين الآخرين بعده ، فاعلم أن العلة إما أن توضع محكوما عليها في المقدمتين ، أو محكوما بها في المقدمتين ، أو توضع حكما في إحداهما محكومة في الأخرى ، وهذا الأخير هو النظم الأول ، والثاني والثالث لا يتضحان غاية الاتضاح إلا بالرد إليه ، فلذلك قدمنا ذكره . النظم الثاني : أن تكون العلة حكما في المقدمتين ، مثاله قولنا : الباري تعالى ليس بجسم لان الباري غير مؤلف وكل جسم مؤلف ، فالباري تعالى إذن ليس بجسم فههنا ثلاثة معان ، الباري ، والمؤلف ، والجسم ، والمكرر هو المؤلف ، فهو العلة ، وتراه خبرا في المقدمتين وحكما ، بخلاف المسكر في النظم الأول إذ كان خبرا في إحداهما مبتدأ في الأخرى ، ووجه لزوم النتيجة منه أن كل شيئين ثبت لأحدهما ، ما انتفى عن الآخر فهما متباينان ، فالتأليف ثابت للجسم منتف عن الباري تعالى ، فلا يكون بين معنى الجسم وبين الباري التقاء ، أي لا يكون الباري جسما ، ولا الجسم هو الباري تعالى ، ويمكن بيان لزوم النتيجة بالرد إلى النظم الأول بطريق العكس ، كما أوضحناه في كتاب معيار العلم ، وكتاب محك النظر فلا نطول الآن به ، وهذا النظم هو الذي يعبر عنه الفقهاء بالفرق ، إذ يقولون ، الجسم مؤلف ، والباري غير مؤلف ، وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا قضية نافية سالبة ، وأما النظم الأول فإنه ينتج النفي والاثبات جميعا ، ومن شروط هذا النظم أن تختلف المقدمتان في النفي والاثبات ، فإن كانتا مثبتتين لم ينتجا لان حاصل هذا النظم يرجع إلى الحكم بشئ واحد على شيئين ، وليس من