الغزالي
30
المستصفى
البعض الذي ليس بربوي ، ويكون هذا خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه ، وإن أردت الكل فمن أين عرفت هذا ؟ وما عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات ؟ النظر الثاني : في شروط النقيض ، وهو محتاج إليه ، إذ رب مطلوب لا يقوم الدليل عليه ولكن على بطلان نقيضه ، فيستبان ، من إبطاله صحة نقيضه ، والقضيتان المتناقضتان يعني بهما كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى بالضرورة ، كقولنا : العالم حادث ، العالم ليس بحادث ، وإنما يلزم صدق إحداهما عند كذب الأخرى بستة شروط : الأول : أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ ، فإن اتحد اللفظ دون المعنى لم يتناقضا ، كقولك : النور مدرك بالبصر غير مدرك بالبصر ، إذا أردت بأحدهما الضوء ، وبالآخر العقل ، ولذلك لا يتناقض قول الفقهاء المضطر مختار المضطر ليس بمختار ، وقولهم : المضطر آثم المضطر ليس بآثم ، إذ قد يعبر بالمضطر عن المرتعد والمحمول المطروح على غيره ، وقد يعبر به عن المدعو بالسيف إلى الفعل ، فالاسم متحد والمعنى مختلف . الثاني : أن يكون الحكم واحدا والاسم مختلفا ، كقولك : العالم قديم العالم ليس بقديم ، أردت بأحد القديمين ما أراده الله تعالى بقوله : * ( كالعرجون القديم ) * ( يس : 93 ) ولذلك لم يتناقض قولهم : المكره مختار ، المكره ليس بمختار ، لان المختار عبارة عن معنيين مختلفين . الثالث : أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية ، فإنك لو قلت : زيد أب زيد ليس بأب ، لم يتناقضا ، إذ يكون أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد ، وكذلك تقول : زيد أب زيد ابن فلا يتعدد بالإضافة إلى شخصين ، والعشرة نصف ، والعشرة ليست بنصف ، أي بالإضافة إلى العشرين والثلاثين ، وكما يقال : المرأة مولى عليها ، المرأة غير مولى عليها وهما صادقان بالإضافة إلى النكاح والبيع ، لا إلى شئ واحد وإلى العصبة والأجنبي لا إلى شخص واحد . الرابع : أن يتساويا في القوة والفعل ، فإنك تقول : الماء في الكوز مرو ، أي بالقوة ، وليس الماء بمرو أي بالفعل ، والسيف في الغمد قاطع وليس بقاطع ، ومنه ثار الخلاف في أن البارئ في الأزل خالق أوليس بخالق . الخامس : التساوي في الجزء والكل ، فإنك تقول الزنجي أسود ، الزنجي ليس بأسود ، أي ليس بأسود الأسنان ، وعنه نشأ الغلط ، حيث قيل إن العالمية حال لزيد بجملته ، لان زيدا عبارة عن جملته ، ولم يعرف أنا إذا قلنا زيد في بغداد ، إذ لم نعن به أنه في جميع بغداد ، بل في جزء منها ، وهو مكان يساوي مساحته . السادس : التساوي في المكان والزمان ، فإنك تقول : العالم حادث العالم ليس بحادث ، أي هو حادث عن أول وجوده وليس بحادث قبله ولا بعده ، بل قبله معدوم وبعده باق ، والصبي تنبت له أسنان ، والصبي لا تنبت له أسنان ، ونعني بأحدهما السنة الأولى