الغزالي
26
المستصفى
اللفظ منه . وأما المطلق : فهو الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في معناه ، كقولك : السواد ، والحركة ، والفرس ، والانسان ، وبالجملة الاسم المفرد في لغة العرب ، إذا أدخل عليه الألف واللام للعموم ، فإن قلت : وكيف يستقيم هذا وقولك : الاله ، والشمس ، والأرض ، لا يدل إلا على شئ واحد مفرد مع دخول الألف واللام ؟ فاعلم أن هذا غلط ، فإن امتناع الشركة ها هنا ليس لنفس مفهوم اللفظ ، بل الذي وضع اللغة لو جوز في الاله عددا لكان يرى هذا اللفظ عاما في الآلهة كلها ، فإن امتنع الشمول لم يكن لوضع اللفظ ، بل لاستحالة وجود إله ثان ، فلم يكن امتناع الشركة لمفهوم اللفظ ، والمانع في الشمس أن الشمس في الوجود واحدة ، فلو فرضنا عوالم في كل واحد شمس وأرض كان قولنا : الشمس والأرض ، شاملا للكل ، فتأمل هذا ، فإنه مزلة قدم في جملة من الأمور النظرية فإن من لا يفرق بين قوله السواد ، وبين قوله : هذا السواد ، وبين قوله : الشمس ، وبين قوله : هذه الشمس ، عظم سهوه في النظريات من حيث لا يدري . التقسيم الثالث : إن الألفاظ المتعددة بالإضافة إلى المسميات المتعددة على أربعة منازل ولنخترع لها أربعة ألفاظ وهي : المترادفة ، والمتباينة ، والمتواطئة ، والمشتركة . أما المترادفة : فنعني بها الألفاظ المختلفة : والصيغ المتواردة على مسمى واحد ، كالخمر ، والعقار والليث والأسد ، والسهم ، والنشاب ، وبالجملة : كل اسمين لمسمى واحد يتناوله أحدهما من حيث يتناوله الآخر ، من غير فرق . وأما المتباينة : فنعني بها الأسامي المختلفة للمعاني المختلفة كالسواد والقدرة والأسد والمفتاح والسماء والأرض وسائر الأسامي ، وهي الأكثر . وأما المتواطئة : فهي التي تنطلق على أشياء متغايرة بالعدد ، ولكنها متفقة بالمعنى الذي وضع الاسم عليها ، كاسم الرجل ، فإنه ينطلق على زيد وعمرو وبكر وخالد ، واسم الجسم ينطلق على السماء والأرض والانسان ، لاشتراك هذه الأعيان في معنى الجسمية التي وضع الاسم بإزائها ، وكل اسم مطلق ليس بمعين ، كما سبق ، فإنه ينطلق على آحاد مسمياته الكثيرة بطريق التواطؤ ، كاسم اللون ، للسواد والبياض والحمرة ، فإنها متفقة في المعنى الذي به سمي اللون لونا ، وليس بطريق الاشتراك البتة . وأما المشتركة فهي : الأسامي التي تنطلق على مسميات مختلفة لا تشترك في الحد والحقيقة البتة ، كاسم العين للعضو الباصر ، وللميزان ، وللموضع الذي يتفجر منه الماء ، وهي العين الفوارة ، وللذهب ، وللشمس ، وكاسم المشتري لقابل عقد البيع وللكوكب المعروف ، ولقد ثار من ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في العقليات ، حتى ظن من ضعفاء العقول أن السواد لا يشارك البياض في اللونية إلا من حيث الاسم ، وإن ذلك كمشاركة الذهب للمحدقة الباصرة في اسم العين ، وكمشاركة قابل عقد البيع للكوكب في المشتري ، وبالجملة : الاهتمام بتمييز المشتركة عن المتواطئة مهم ، فلنرد له شرحا فنقول : الاسم المشترك قد يدل على المختلفين كما ذكرناه ، وقد يدل على المتضادين ، كالجلل للحقير والخطير ، والناهل للعطشان والريان ، والجون للسواد والبياض ، والقرء للطهر والحيض ، واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من المتواطئ ويعسر على الذهن ، وإن كان في غاية الصفاء الفرق ، ولنسم ذلك متشابها ، وذلك مثل اسم النور الواقع على الضوء المبصر