الغزالي

20

المستصفى

الحائط المنقوش ، وله حد آخر ، وعلى الانسان الميت وله حد آخر ، فإن اليد المقطوعة ، والذكر المقطوع ، يسمى ذكرا ، وتسمى يدا ، ولكن بغير الوجه الذي كانت تسمى به حين كانت غير مقطوعة ، فإنها كانت تسمى به من حيث أنها آلة البطش وآلة الوقاع ، وبعد القطع تسمى به من حيث أن شكلها شكل آلة البطش ، حتى لو بطل بالتقطيعات الكثيرة شكلها سلب هذا الاسم عنها ، ولو صنع شكلها من خشب أو حجر أعطي الاسم ، وكذلك إذا قيل : ما حد العقل ؟ فلا تطمع في أن تحده بحد واحد ، فإنه هوس ، لان اسم العقل مشترك ، يطلق على عدة معان ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ، ويطلق على الغريزة التي يتهيأ بها الانسان لدرك العلوم النظرية ، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة ، حتى أن من لم تحنكه التجارب بهذا الاعتبار لا يسمى عاقلا ، ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه وهو عبارة ، عن الهدو ، فيقال : فلان عاقل ، أي في هدو ، وقد يطلق على من جمع العمل إلى العلم حتى أن المفسد وإن كان في غاية من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلا فلا يقال للحجاج عاقل بل داه ، ولا يقال للكافر عاقل ، وإن كان محيطا بجملة العلوم الطبية والهندسية ، بل إما فاضل وإما داه وإما كيس ، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود ، فيقال في حد العقل باعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية ، كجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله ، وبالاعتبار الثاني أنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات ، وهكذا بقية الاعتبارات . فإن قلت : فنرى الناس يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل الاختلاف في الحد ، أترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء ؟ فاعلم أن الاختلاف في الحد يتصور في موضعين : أحدهما : أن يكون اللفظ في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ( ص ) ، أو قول إمام من الأئمة يقصد الاطلاع على مراده به ، فيكون ذلك اللفظ مشتركا ، فيقع النزاع في مراده به ، فيكون قد وجد التوارد على مراد القائل ، والتباين بعد التوارد ، فالخلاف تباين بعد التوارد ، وإلا فلا نزاع بين من يقول السماء قديمة ، وبين من يقول : الانسان مجبور على الحركات ، إذ لا توارد ، فلو كان لفظ الحد في كتاب الله تعالى ، أو في كتاب إمام ، لجاز أن يتنازع في مراده ، ويكون إيضاح ذلك من صناعة التفسير لا من صناعة النظر العقلي . الثاني : أن يقع الاختلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب حده أمرا ثانيا لا يتحد حده على المذهبين فيختلف ، كما يقول المعتزلي ، حد العلم اعتقاد الشئ على ما هو به ، ونحن نخالف في ذكر الشئ ، فإن المعدوم عندنا ليس بشئ وهو معلوم ، فالخلاف في مسألة أخرى يتعدى إلى هذا الحد ، وكذلك يقول القائل : حد العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا وكذا ، ويخالف من يقول في حده إنه غريزة يتميز بها الانسان عن الذئاب وسائر الحيوانات ، من حيث إن القائل الأول ينكر تميز العين بغريزة عن العقب ، وتميز الانسان بغريزة عن الذئاب بها يتهيأ للنظر في العقليات ، لكن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم في القلب دون العقب ، وفي الانسان دون الذئاب ، وخلق البصر في العين دون العقب ، لا لتميزه بغريزة استعد بسببها لقبوله ، فيكون منشأ الاختلاف في الحد الاختلاف في إثبات هذه الغريزة أو نفيها ، فهذه أمور ، وإن أوردناها في