الغزالي

18

المستصفى

موجود موجود والمترادفة كالمتكررة ، فهو إذا يبطل بالعرض ، وإن كان غيره حتى اندفع النقض بقولك متحيز ، ولم يندفع بقولك موجود ، فهو غير بالمعنى لا باللفظ ، فوجب الاعتراف بتغاير المعنى في العقل ، والمقصود بيان أن المفرد لا يمكن أن يكون له حد حقيقي ، وإنما يحد بحد لفظي ، كقولك في حد الموجود إنه الشئ ، أو رسمي كقولك في حد الموجود : أنه المنقسم إلى الخالق والمخلوق ، والقادر والمقدور ، أو الواحد والكثير ، أو القديم والحادث أو الباقي والفاني ، أو ما شئت من لوازم الموجود وتوابعه ، وكل ذلك ليس ينبئ عن ذات الموجود عن تابع لازم لا يفارقه البتة . واعلم أن المركب إذا حددته بذكر آحاد الذاتيات توجه السؤال عن حد الآحاد ، فإذا قيل لك : ما حد الشجر ؟ فقلت : نبات قائم على ساق ، فقيل لك : ما حد النبات ؟ فتقول : جسم نام ، فيقال : ما حد الجسم ؟ فتقول : جوهر مؤتلف ، أو الجوهر الطويل العريض العميق ، فيقال : وما حد الجوهر ؟ وهكذا ، فإن كل مؤلف فيه مفردات ، فله حقيقة ، وحقيقته أيضا تأتلف من مفردات ، ولا تظن أن هذا يتمادى إلى غير نهاية بل ينتهي إلى مفردات يعرفها العقل والحس معرفة أولية لا تحتاج إلى طلب بصيغة الحد ، كما أن العلوم التصديقية تطلب بالبرهان عليها ، وكل برهان ينتظم من مقدمتين ، ولا بد لكل مقدمة أيضا من برهان يأتلف من مقدمتين ، وهكذا فيتمادى إلى أن ينتهي إلى أوليات ، فكما أن في العلوم أوليات فكذلك في المعارف ، فطالب حدود الأوليات إنما يطلب شرح اللفظ لا الحقيقة ، فإن الحقيقة تكون ثابتة في عقله بالفطرة الأولى ، كثبوت حقيقة الوجود في العقل ، فإن طلب الحقيقة فهو معاند كمن يطلب البرهان على أن الاثنين أكثر من الواحد ، فهذا بيان ما أردنا ذكره من القوانين . الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات للقوانين بحدود مفصلة وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب معيار العلم ومحك النظر ، ونحن الآن مقتصرون على حد الحد وحد العلم وحد الواجب ، لان هذا النمط من الكلأ م دخيل في علم الأصول ، فلا يليق فيه الاستقصاء . الامتحان الأول ( حد الحد ) اختلف الناس في حد الحد ، فمن قائل يقول : حد الشئ هو حقيقته وذاته ، ومن قائل يقول : حد الشئ هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يمنع ويجمع ، ومن قائل ثالث يقول : هذه المسألة خلافية ، فينصر أحد الحدين على الآخر ، فانظر كيف تخبط عقل هذا الثالث ، فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد التوارد على شئ واحد ، وهذان قد تباعدا وتنافرا وما تواردا على شئ واحد ، وإنما منشأ هذا الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك على ما سنذكره ، فإن من يحد العين بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية لم يخالف من حده بأنه الجوهر المعدني الذي هو أشرف النقود ، بل حد هذا أمرا مباينا لحقيقة الامر الآخر ، وإنما اشتركا في اسم العين ، فافهم هذا ، فإنه قانون كثير النفع ، فإن قلت : فما الصحيح عندك في حد الحد ؟ فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك ، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه ، ومن قرر المعاني أولا في عقله ، ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى ، فلنقرر المعاني فنقول : الشئ له في الوجود أربع مراتب : الأولى : حقيقته في نفسه