الغزالي

137

المستصفى

فما نقله الآحاد فلا استحالة فيه ولا مانع ، فإن ما أشاعه كان يجوز أن لا يتعبد فيه بالإشاعة ، وما وكله إلى الآحاد كان يجوز أن يتعبد فيه بالإشاعة ، لكن وقوع هذه الأمور يدل على أن التعبد وقع كذلك ، فما كان يخالف أمر الله سبحانه وتعالى في شئ من ذلك ، هذا تمام الكلام في الاخبار والله أعلم . الأصل الثالث من أصول الأدلة : الاجماع وفيه أبواب الباب الأول في إثبات كونه حجة على منكريه ومن حاول إثبات كون الاجماع حجة افتقر إلى تفهيم لفظ الاجماع أولا ، وبيان تصوره ثانيا ، وبيان إمكان الاطلاع عليه ثالثا ، وبيان الدليل على كونه حجة رابعا . أما تفهيم لفظ الاجماع : فإنما نعني به اتفاق أمة محمد ( ص ) خاصة على أمر من الأمور الدينية ، ومعناه في وضع اللغة : الاتفاق والإزماع ، وهو مشترك بينهما ، فمن أزمع وصمم العزم على إمضاء أمر يقال أجمع ، والجماعة إذا اتفقوا يقال : أجمعوا ، وهذا يصلح لاجماع اليهود والنصارى ، وللاتفاق في غير أمر الدين ، لكن العرف خصص اللفظ بما ذكرناه ، وذهب النظام إلى أن الاجماع عبارة عن كل قول قامت حجته ، وإن كان قول واحد ، وهو على خلاف اللغة والعرف ، لكنه سواه على مذهبه ، إذ لم ير الاجماع حجة ، وتواتر إليه بالتسامع تحريم مخالفة الاجماع ، فقال : هو كل قول قامت حجته . أما الثاني : وهو تصوره : فدليل تصوره وجوده ، فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن الصلوات خمس وأن صوم رمضان واجب ، وكيف يمتنع تصوره والأمة كلهم متعبدون باتباع النصوص والأدلة القاطعة ، ومعرضون للعقاب بمخالفتها ، فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعي ، فكذلك على اتباع الحق واتقاء النار ، فإن قيل : الأمة مع كثرتها واختلاف دواعيها في الاعتراف بالحق والعناد فيه ، كيف تتفق آراؤها فذلك محال منها ، كاتفاقهم على أكل الزبيب مثلا في يوم واحد ، قلنا : لا صارف جميعهم إلى تناول الزبيب خاصة ولجميعهم باعث على الاعتراف بالحق ، كيف وقد تصور إطباق اليهود مع كثرتهم على الباطل ، فلم لا يتصور إطباق المسلمين على الحق ، والكثرة إنما تؤثر عند تعارض الأشباه والدواعي والصوارف ومستند الاجماع في الأكثر نصوص متواترة وأمور معلومة ضرورة بقرائن الأحوال ، والعقلاء كلهم فيه على منهج واحد ، نعم : هل يتصور الاجماع عن اجتهاد أو قياس ؟ ذلك فيه كلام سيأتي إن شاء الله . أما الثالث : وهو تصور الاطلاع على الاجماع : فقد قال قوم : لو تصور إجماعهم فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار ؟ فنقول : يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم ، وإن لم يمكن عرف مذهب قوم بالمشافهة ، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم ، كما عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعي منع قتل المسلم بالذمي ، وبطلان النكاح بلا ولي ، ومذهب جميع النصارى التثليث ، ومذهب جميع المجوس التثنية ، فإن قيل : مذهب أصحاب الشافعي وأبي حنيفة مستند إلى قائل واحد وهو الشافعي وأبو حنيفة ، وقول الواحد يمكن أن يعلم ، وكذلك مذهب النصارى يستند إلى عيسى عليه السلام ، أما قول جماعة لا ينحصرون كيف يعلم ؟ قلنا : وقول أمة محمد ( ص ) في أمور الدين يستند إلى ما فهموه من محمد ( ص )