الغزالي

13

المستصفى

سريعا ، كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي ، وربما لا يزول في الوجود ، كزرقة العين ، ولكن يمكن رفعه في الوهم ، وأما كون الأرض مخلوقة ، وكون الجسم الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس ، فإنه ملازم لا تتصور مفارقته ، ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما مشتركان في استحالة المفارقة ، واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن ، وقد استقصيناه ، في كتاب معيار العلم ، فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم ، فلا تورد في الحد الحقيقي إلا الذاتيات ، وينبغي أن تورد جميع الذاتيات ، حتى يتصور بها كنه حقيقة الشئ وماهيته ، وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب ما هو ، فإن القائل ما هو يطلب حقيقة الشئ ، فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي ، والذاتي ينقسم إلى عام ، ويسمى جنسا ، وإلى خاص ، ويسمى نوعا ، فإن كان الذاتي العام لا أعم منه سمي جنس الأجناس ، وإن كان الذاتي الخاص لا أخص منه سمي نوع الأنواع ، وهو اصطلاح المنطقيين ولتصالحهم عليه ، فإنه لا ضرر فيه وهو كالمستعمل أيضا في علومنا ، ومثاله أنا إذا قلنا : الجوهر ينقسم إلى جسم وغير جسم ، والجسم ينقسم إلى نام وغير نام ، والنامي ينقسم ، إلى حيوان وغير حيوان ، والحيوان ينقسم إلى عاقل وهو الانسان ، وغير عاقل ، فالجوهر جنس الأجناس ، إذ لا أعم منه ، والانسان نوع الأنواع ، إذ لا أخص منه ، والنامي نوع بالإضافة إلى الجسم ، لأنه أخص منه ، وجنس بالإضافة إلى الحيوان لأنه أعم منه ، وكذلك الحيوان بين النامي الأعم ، والانسان الأخص ، فإن قيل : كيف لا يكون شئ أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه ، وكيف لا يكون شئ أخص من الانسان ، وقولنا : شيخ ، وصبي ، وطويل ، وقصير ، وكاتب ، وخياط ، أخص منه ؟ قلنا : لم نعن في هذا الاصطلاح بالجنس الا عم فقط ، بل عنينا الأعم ، الذي هو ذاتي للشئ ، أي داخل في جواب ما هو ، بحيث لو بطل عن الذهن التصديق بثبوته بطل المحدود وحقيقته عن الذهن ، وخرج عن كونه مفهوما للعقل ، وعلى هذا اصطلاح ، فالموجود لا يدخل في الماهية ، إذ بطلانه لا يوجب زوال الماهية عن الذهن ، بيانه إذا قال القائل : ما حد المثلث ؟ فقلنا : شكل يحيط به ثلاثة أضلاع ، أو قال : ما حد المسبع ؟ فقلنا : شكل يحيط به سبعة أضلاع ، فهم السائل حد المسبع ، وإن لم يعلم أن المسبع موجود في العالم أصلا ، فبطلان العلم بوجوده لا يبطل عن ذهنه فهم حقيقة المسبع ، ولو بطل عن ذهنه الشكل لبطل المسبع ، ولم يبق مفهوما عنده ، وأما ما هو أخص من الانسان من كونه طويلا أو قصيرا أو شيخا أو صبيا أو كاتبا أو أبيض أو محترفا ، فشئ منه لا يدخل في الماهية ، إذ لا يتغير جواب الماهية بتغيره ، فإذا قيل لنا : ما هذا ؟ فقلنا : إنسان ، وكان صغيرا فكبر ، أو قصيرا فطال ، فسئلنا مرة أخرى ما هو ؟ لست أقول من هو ؟ لكان الجواب ذلك بعينه ، ولو أشير إلى ما ينفصل من الإحليل عند الوقاع وقيل : ما هو ؟ لقلنا : نطفة ، فإذا صار جنينا ثم مولودا فقيل : ما هو ؟ تغير الجواب ، ولم يحسن أن يقال : نطفة ، بل يقال : إنسان ، وكذلك الماء إذا سخن فقيل ما هو ؟ قلنا : ماء كما في حالة البرودة ، ولو استحال بالنار بخارا ثم هواء ثم قيل : ما هو ؟ تغير الجواب ، فإذا انقسمت الصفات إلى ما يتبدل الجواب عن الماهية بتبدلها وإلى ما لا يتبدل فلنذكر في الحد الحقيقي ما يدخل في الماهية ، وأما الحد اللفظي والرسمي