الغزالي
11
المستصفى
الادراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم ، أو في التصور والتصديق ، وكل علم تطرق إليه تصديق فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان ، أي تصوران ، فإن من لا يعرف المفرد كيف يعلم المركب ، ومن لا يفهم معنى العالم ومعنى الحادث كيف يعلم أن العالم حادث . ومعرفة المفردات قسمان : أولي : وهو الذي لا يطلب بالبحث ، وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب ، كلفظ الوجود والشئ ، وككثير من المحسوسات . ومطلوب : وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل ولا مفسر . فيطلب تفسيره ، بالحد . وكذلك العلم ينقسم إلى أول : كالضروريات ، وإلى مطلوب : كالنظريات ، والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد ، والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب لا يقتنص إلا بالبرهان ، فالبرهان والحد هو الآلة التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة ، فلتكن هذه المقدمة المرسومة لبيان مدارك العقول ، مشتملة على دعامتين : دعامة في الحد ، ودعامة في البرهان . الدعامة الأولى : في الحد ويجب تقديمها ، لان معرفة المفردات تتقدم على معرفة المركبات ، وتشتمل على فنين : فن يجري مجرى القوانين ، وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك القوانين . الفن الأول في القوانين وهي ستة : القانون الأول أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات ، ولا يكون الحد جوابا عن كل سؤال ، بل عن بعضه ، والسؤال طلب ، وله لا محالة مطلوب وصيغة ، والصيغ والمطالب كثيرة ، ولكن أمهات المطالب أربع : المطلب الأول : ما يطلب بصيغة هل يطلب بهذه الصيغة أمران ، إما أصل الوجود كقولك : هل الله تعالى موجود ؟ أو يطلب حال الموجود ووصفه كقولك : هل الله تعالى خالق البشر ؟ وهل الله تعالى متكلم وآمر وناه . المطلب الثاني : ما يطلب بصيغة ما ويطلق لطلب ثلاثة أمور : الأول : أن يطلب به شرح اللفظ ، كما يقول : من لا يدري العقار ، ما العقار ، فيقال له : الخمر ، إذا كان يعرف لفظ الخمر . الثاني : أن يطلب لفظ محرر جامع مانع يتميز به المسؤول عنه من غيره كيفما كان الكلام ، سواء ، كان عبارة عن عوارض ذاته ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته ، أو حقيقة ذاته ، كما سيأتي الفرق بين الذاتي والعرضي كقول القائل : ما الخمر ؟ فيقال : هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في الدن ، والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر ، بحيث لا يخرج منه خمر ، ولا يدخل فيه ما ليس بخمر . والثالث : أن يطلب به ماهية الشئ وحقيقة ذاته ، كمن يقول : ما الخمر ؟ فيقال : هو شراب مسكر معتصر من العنب ، فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته ، ثم يتبعه لا محالة التمييز ، واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك ، فلنخترع لكل