عبد الرزاق الصنعاني
386
المصنف
ابن الدغنة ( 1 ) : أين تريد ؟ يا أبا بكر ! فقال أبو بكر أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ( 2 ) ، فارجع فاعبد ربك ببلدك ، فارتحل ابن الدغنة ورجع مع أبي بكر ، فطاف ابن الدغنة في كفار قريش ، فقال : إن أبا بكر خرج ولا يخرج مثله ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة ، وأمنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، وليصل فيها ما شاء ، ولا يؤذينا ، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره ، ففعل ، ثم بدا لأبي بكر فبنى مسجدا بفناء ( 3 ) داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ ، فيتقصف ( 4 ) عليه نساء المشركين وأبناءهم ، يعجبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا : إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد الله
--> ( 1 ) بضم المهملة والمعجمة وتشديد النون عند أهل اللغة ، وعند الرواة بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون . ( 2 ) أي مجير ، أمنع من يؤذيك . ( 3 ) بكسر الفاء وتخفيف النون وبالمد ، أي أمامها . ( 4 ) أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر .