صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
315
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
يعلم علما يقينيا ان القدرة الحقة أزلية ثابتة والمقدورات حادثة متجددة الحصول ولا منافاة بين ان يكون الايجاد قديما والوجود الذي اثره حادثا في ايجاد ما لا يكون نحو وجوده الا على نحو التجدد والانقضاء والتبدل والتصرم وهو جميع ما في عالم الطبيعة كما بيناه واما الصور المفارقة التي هي صور أسمائه تعالى وعالم قضائه الأزلي فليست هي من الافعال الخارجية بل من الصفات الإلهية والحجب النورية والسرادقات الجلالية ولا يطلق عليها اسم العالم وسوى الله وسيجئ ء لهذا المطلب بسط وتوضيح . تسجيل وتكميل ان الحق الحري بالتحقيق والتحصيل لمن رفض العصبية وترك التقليد وطرد الطاغوت ورجع إلى درك الحكمة وانخرط في حزب الملكوت وأولياء الحقيقة ان يعلم أن الفرق بين القادر المختار وبين الفاعل الموجب ليس على سبيل ما كان لاجا عليه أكثر المحتجبين عن ادراك الحقائق بأغشية التقليد للآباء والمشايخ لان الله سبحانه إذا كان هو الفاعل لما يشاء كانت ارادته واجبه الوجود كذاته لأنها عين ذاته الأحدية وقد مر ان واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فلم تكن تلك الإرادة قصدا ( 1 ) إلى التكوين سيما التكوين المطلق أو التكوين الأول لأقرب المجعولات إليه وأشرف الكوائن منه لان القصد إلى الشئ يمتنع بقاؤه بعد حصول ذلك الشئ المقصود ( 2 ) فثبت ان اراده الله سبحانه ليست عبارة عن القصد ( 3 ) بل الحق في
--> ( 1 ) أي طلبا للفعل بسبب داع زائد بل هو تعالى فاعل بالعناية س قده ( 2 ) لان الطلب بالداعي إذا تأدى إلى المطلوب المنظور انقطع س قده ( 3 ) لكن الحق انه لو كان بين كيفياتنا النفسانية كيفية متميزة متخللة بين العلم الجازم وبين الفعل باسم الإرادة فهو القصد وهو ميل نفساني نحو الفعل نظير ميل الجسم الطبيعي من مكان إلى مكان وليس من الشوق أو الشوق المؤكد في شئ كما سيجئ وليس هو العلم وان كانت الصفات والأحوال النفسانية كالحب والبغض والرضا والسخط والحزن والسرور وغيرها علمية شعورية لان الإرادة لو كانت أمرا متميزا في نفسها فهي متخللة بين العلم والفعل فليست هي فينا العلم ومن هنا يظهر انا لو جردناها من شوائب النقص وأجرينا وصفها عليه تعالى لم ينطبق على علمه تعالى لان مفهومها غير مفهوم العلم ، ولا ينفع التجريد مع تغاير المفهومين بخلاف تجريد معنى العلم مثلا فإنه وان تبدلت خصوصياته وحدوده بالتجريد حتى عاد وجودا واجبيا منفيا عنه جميع خصائص الكيفية النفسانية الخاصة لكن معناه الأصلي وهو حضور شئ لشئ محفوظ باق بعد التجريد وعند الاجراء على ما كان عليه قبل . ويظهر أيضا انها لو اخذت صفه له تعالى بعد التجريد كانت صفه فعل نظير الخلق والايجاد والرحمة منتزعة عن مقام الفعل فتمامية الفعل من حيث السبب إذا نسبت إلى الفعل سميت اراده له فهو مراد له تعالى وإذا نسبت إليه كانت اراده منه فهو مريد كما أن كل ما يستكمل به الشئ في بقائه رزق فالشئ مرزوق وهو تعالى رازق وهكذا وعلى هذا جرى الكتاب العزيز فيما استعمله من لفظ الإرادة والمشية كقوله تعالى ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض الآية وقوله فأراد ربك ان يبلغا أشدهما الآية وقوله فمن يملك من الله شيئا ان أراد ان يهلك المسيح الآية وقوله انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون إلى غير ذلك من الآيات . واما ما ذكره هو وغيره من الحكماء الإلهيين من امر الإرادة الذاتية وأقاموا عليه البرهان فهو حق لكن الذي تثبته البراهين ان ما سواه تعالى تستند إلى قدرته التي هي مبدئيته المطلقة للخير وعلمه بنظام الخير واما تسميه العلم بالخير والأصلح اراده أو انطباق مفهوم الإرادة بعد التجريد على العلم بالأصلح الذي هو عين الذات فلا نعم قام البرهان على أنه واجد لكل كمال وجودي وهذا لا يوجب تخصيص الإرادة من بينها بالذكر في ضمن الصفات الذاتية وبالجملة ما ذكروه حق من حيث المعنى وانما الكلام في اطلاق لفظ الإرادة وانطباق ما جرد من مفهومها على صفه العلم والبحث كما ترى أشبه باللفظي ط مد ظله