صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
254
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
ان يكون المدرك محلا للصورة المعقولة فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها بل كونك محلا لها من شروط حصولها لك الذي هو مناط عقلك إياها فان حصلت هي لك على جهة أخرى سوى الحلول فيك لعقلتها من غير حلول فيك فاذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته حاصله له من غير أن يحل فيه ( 1 ) فهو عاقل إياها بأنفسها بلا حلولها فيه . فإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن الواجب لذاته لما لم يكن بين ذاته وبين عقله لذاته مغايرة بل كان عقله لذاته هو نفس ذاته فكذلك لا مغايرة بين وجود المعلول الأول وبين تعقل الواجب له إذ عقله لذاته علة عقله لمعلوله الأول كما أن ذاته علة ذات المعلول الأول فإذا حكمت باتحاد العلتين فاحكم باتحاد المعلولين فاذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الواجب لذاته له من غير استيناف صوره تحل في ذات الأول تعالى عن ذلك علوا كبيرا وقد عرفت ان كل مجرد يعقل ذاته وغيره من المجردات ( 2 ) فالجواهر العقلية لما كانت تعقل ما ليست بمعلولات لها بحصول
--> ( 1 ) قد سبق من المصنف قده في الفصل المعقود لما وجده قادحا في مذهب القائلين بارتسام الصور في ذاته انه لا تفاوت بين مذهبي الشيخ الاشراقي والعلامة الطوسي قدس سره الا ان الشيخ المذكور اجرى القاعدة في الأجسام والجسمانيات أيضا وهذا العلامة لم يكتف بذلك بل جعل مناط علمه تعالى بها ارتسام صورها في المبادئ العقلية والنفسية كما في مذهب ثاليس الملطي وانى لا أجد مخالفه بين مذهب الشيخ والعلامة وأتكلم فيما عسى أن تكون موضع الدلالة على ما نسب إليه وأبين مراده من هذه العبارات فمن جملتها هذه فاذن المعلولات الذاتية أقول التوصيف بالذاتية ليس من باب التوصيف بالصفة المخصصة بل إشارة إلى أن الكل معاليله بالذات إذ الوسائط أيضا منه ولا مؤثر في الوجود الا الله أو المراد بها الوجودات قاطبة لان الوجود هو المجعول بالذات عند العلامة أيضا كما نقل كلامه في أوائل السفر الأول س قده ( 2 ) لان كل مجرد عاقل وكل مجرد معقول ولأنه لا حجاب فيما بين المجردات فكل مجرد يعقل غيره من المجردات سواء كان فوقه أو تحته أو يكافئه فهذا وقوله فالجواهر العقلية لما كانت تعقل ما ليست معلولات إلى آخره تأسيس لانتقاش الجواهر العقلية بصور ما ليست معلولات لها وان الأول تعالى يعقلها ويعقل الصور التي فيها جميعا بالحضور لا ان علمه تعالى بمعلولاته أو علم الجواهر العقلية بمعلولاتها بحصول صورها حتى يكون علمه تعالى ببعض الأشياء حضوريا وببعضا حصوليا كما فهم من هذه العبارات ونسب القول به إلى العلامة قده فبيان مرامه قده في انتقاشها بالصور انها أي الجواهر العقلية تعقل ما ليست بمعلولات لها بحصول صورها . اما ما ليست معلولات لها فكالعقول الطولية التي هي فوق العقل السافل مما هي علل له وكالعقول العرضية كل بالنسبة إلى الاخر إذ لا عليه فيها ولذا سميت طبقه متكافئة وكصنم كل منها بالنسبة إلى غير صاحبه لان كل صنم وطلسم معلول لربه وصاحبه المعتنى به لا لصاحب الطلسم الاخر . واما انها تعقل ما ليست معلولات لها فلانه لا حجاب في المفارقات ولأن كلا منها يعقل الواجب الوجود ولا موجود الا وهو معلول الواجب تعالى والعلم بالعلة مستلزم للعلم بالمعلول فكل معاليل الواجب تعالى لا بد وأن تكون معلومه لكل مجرد سواء كانت فوقه أو تحته وإن كان ما هو تحته معلوما له بالحضور . واما انها تعقل ما ليست بمعلولات لها بحصول صورها فلانه قد مر انه إذا لم يكن المعلوم عينا للعالم ولا مقهورا ومعلولا له لم يكن بد من استحضار صورته فلا بد ان يكون علم كل مجرد بما فوقه وبما في عرضه بالصورة إذ ليس له عليهما التسلط والاشراق واما الواجب تعالى فهو عالم بالكل بالحضور لان كل موجود اما معلوله أو معلول معلوله فشرط العلم الحضوري بالغير وهو التسلط حاصل له بالنسبة إلى الكل كيف وهو يعلم ذاته وذاته علة للمعلول الأول فيعلمه ثم يعلم المعلول الأول وهو علة للثاني والعلم بالعلة مستلزم للعلم بالمعلول فيعلم الثاني أيضا بالحضور كالمعلول الأول وهكذا إلى آخر الموجودات وكذا كل مجرد يعلم ما دونه من معاليله بالحضور بقاعدة الاشراق والتسلط عليها والاحتياج إلى الصور لعلمها بما فوقها فالمبادئ العالية تعلم الأجسام التي هي معاليلها بالحضور فضلا عن مبدء المبادئ - س قده .