صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
171
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
جهات الصدق أصلا ولا يقدح كثرتها في وحده الذات الموصوفة بها الا ان يوجب تغاير الحيثيات . الثاني اعترض صاحب المباحث المشرقية على الحكماء في حكمهم ان علم كل مجرد بذاته غير زائد على ذاته بقوله انه لو كان كذلك لكان كل من عقل مجردا عقل كونه عاقلا لذاته وليس كذلك إذ اثبات كون المجردات عاقلة لذواتها يحتاج إلى تجشم برهان مستأنف إذ بيان اثبات عاقليتها غير بيان اثبات وجودها ألا ترى ان من أثبت وجود الباري جل ذكره بنحو من البرهان لم يكتف به في اثبات علمه بل يلزمه اقامه الحجة الأخرى له . والجواب بوجه عرشي بعد ما مر من أن عقل المجرد لذاته عين وجوده الخاص القائم بذاته لا بغيره فهذا النحو من الوجود لا يمكن ان يحصل لغيره مطلقا ( 1 ) فضلا عن من يحاول البرهان على وجوده والذي يحصل له عند اقامه البرهان صوره علمية مطابقه لمعنى كونه موجودا فهيهنا قد حصلت مهية موجودة لشئ آخر هو نفس ذلك المبرهن أو عقله فيكون في هذا النحو من الوجود حاصلا له لا حاصلا لذاته فيكون هذه الصورة معقولة له لا معقولة لذاتها لما ثبت ان كلما وجوده لغيره لم يكن حاصلا الا لذلك الغير لا لذاته فذلك الغير عاقل له فقط لا هو عاقل لنفسه في هذا الوجود بل في وجود آخر له عندما يقوم بنفسه فعلى هذا لا يلزم من كون وجود المجردات القائمة بأنفسها عين معقوليتها لذواتها ان يكون وجودها القائم بغيرها عين معقوليتها لذاتها بل هو عين معقوليتها لذلك الغير فلم يلزم ان من عقل ذاتها عقلها عاقلة لذاتها اللهم الا ان يعلم أحد ذاتها بالعلم الحضوري الاشراقي كما يقع لبعض السالكين من أصحاب المعارج عند فنائهم عن بشريتهم وعروجهم إلى السماوات العلى .
--> ( 1 ) أي ولو لأصحاب المعارج بالعلم الحضوري ولكن الحضوري التام الاكتناهي فان الحضوري له مراتب كما أن علم النفس بذاتها حين كونها عقلا هيولانيا وحين كونها عقلا بالفعل وحين كونها عقلا فعالا مثلا كلها حضوري ولكن أين حضور من حضور وشتان بين النور وبين الظلمات والديجور وبين النور ونور على نور فلا منافاة بين النفي هنا وبين الاثبات المشار إليه بقوله اللهم الا ان يعلم أحد - س قده .