الشهيد الثاني

45

مسكن الفؤاد

الباب الثاني في الصبر وما يلحق به الصبر في اللغة : حبس النفس من الفزع من المكروه والجزع عنه ، وإنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب ، وأعضائه من الحركات غير المعتادة ، وهو ثلاثة أنواع : الأول : صبر العوام ، وهو حبس النفس على وجه التجلد ، وإظهار الثبات في النائبات ، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ( 1 ) . الثاني : صبر الزهاد ، والعباد ، وأهل التقوى ، وأرباب الحلم ، لتوقع ثواب الآخرة ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( 2 ) . الثالث : صبر العارفين ، فإن لبعضهم التذاذا بالمكروه ، لتصورهم أن معبودهم خصهم به من دون الناس ، وصاروا ملحوظين ( بشرف نظرته ) ( 3 ) وبشر الصابرين الذين إذا إصابتهم مصيبه ، قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ( 4 ) . وهذا النوع يختص باسم الرضا ، وسيأتي في باب خاص . والأول لا ثواب عليه ، لأنه لم يفعله لله ، وإنما فعله لأجل الناس ، بل هو في الحقيقة رياء محض ، فكلما ورد في الرياءات فيه ، ولكن الجزع شر منه ، لأن النفوس البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء والمعاشرين والخلطاء ، فيفشو الجزع فيهم ، وإذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم ، فربما صار ذلك سببا لكما لهم ، فيحصل منه فائدة في نظام النوع ، وإن لم يعد على هذا الصابر . والصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني . واعلم أن الله - سبحانه - قد وصف الصابرين بأوصاف ، وذكر الصابرين في القرآن في نيف وسبعين موضعا ، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر ، وجعلها

--> ( 1 ) اقتباس من سورة الروم 30 : 7 . ( 2 ) اقتباس من سورة الزمر 39 : 10 . ( 3 ) في نسخة ( ش ) : بشريف نظره . ( 4 ) اقتباس من سورة البقرة 2 : 155 - 157 .