صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
236
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
ومنها قوله ان الشمس والقمر والكواكب يستمد القوة من جوهر السماء فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا ثم هذه الصور كلها بقاؤها ودثورها في علم الباري سبحانه والعلم يقتضي بقائها دائما وكذلك الحكمة والباري قادر على أن يفنى العالم يوما ان أراد . أقول مراده من جوهر السماء هو جوهرها العقلي وهو صوره ذاتها في علم الله ووجهها الذي يلي القدس والتغير انما يلحق السماء بحسب وجهها الذي يلي المادة وهو الطبيعة لأنها فانية وهو باق كما قال تعالى كل شئ هالك الا وجهه ومراده من قوله والباري قادر على أن يفنى العالم يوما ان أراد هو يوم القيمة الذي مقداره خمسين الف سنه . وقد أوردنا من الأصول والمبادئ الصحيحة ما يستفاد بقوتها تفسير كلامه وتبيين مرامه فلا نخوض في بسطه وشرحه حذرا من الإطالة ومن الفلاسفة القائلين بحدوث العالم ذيمقراطيس وشيعته الا ان له رموزا وتجوزات قل من اهتدى إليها . ولهذا اشتهر منه أشياء بظاهرها يناقض الأصول الحكمية مثل القول بالأجسام الصغيرة ومثل القول بالاتفاق والبخت وكان هذا الفيلسوف انما أنكر الغاية بمعنى العلة الغائية في فعل واجب الوجود لا غير إذ ما من حكيم الا وهو معترف بان ما لا يجب لا يكون بل هو وغيره يسمون الأمور اللاحقة بالمهيات لا لذواتها بل بسبب غيرها أمورا اتفاقية وحينئذ يصح القول بان وجود هذا العالم اتفاقي . قال بعض العلماء ان هذا الرجل تصفحنا كلامه القدر الذي وجدناه قد دل على قوة سلوكه وذوقه ومشاهدات له رفيعه قدسية وأكثر ما نسب إليه افتراء محض بل القدماء لهم الغاز ورموز وأغراض صحيحه ومن اتى بعدهم رد على ظواهر رموزهم اما لغفلة أو تعمدا لما يطلب من الرياسة انتهى . فمن كلماته المرموزة أنه قال المبدع الأول ( 1 ) ليس هو العنصر فقط ولا العقل
--> ( 1 ) لا يخفى ان المبدع الأول هو الفيض القدسي الذي عبر عنه بكن وبالرحمة الواسعة وبالمشية وبالحق المخلوق به وبالنفس الرحماني وبالعماء وبالماء في قوله وكان عرشه على الماء ولعل مراد هذا الفيلسوف انه ماء وهواء ونار وارض باعتبارات وجهات كما لا يخفى ولا بد في كل موجود من الموجودات العالمية من حراره منضجة وبرودة جامدة ورطوبة مشكلة ويبوسة حافظة لكن في كل موجود بحسبه وحسب نشأته فالمبدع الأول بوحدته مشتمل على هذه المعاني فيعبر عنه بالاسطقسات وقد قيل لا بد في الموجودات من الخلق والرزق والحياة والموت ولذا ورد ان حلمه العرش وأركانها أربعة إسرافيل وميكائيل وجبرائيل وعزرائيل ولعل ما ذكر من الإشارة يكفي للعاقل اللبيب في تفطن المرام فتفطن . ( إسماعيل ره )