صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
89
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
ولا ممنوعة عن وصولها إلى ما خلق لأجله منعا مستمرا بل لا بد وان تعود اليه عند زوال القاسر كما قال اشرف الخلق ع والكل ميسر لما خلق له إذ القسر كما علمت لا يكون دائميا ولا أكثريا فكل طبيعة لا تتعطل عن كمالها ابدا فنقول لا يخلو الكفر أو ما يجرى مجراه اما ان يخرج الانسان عن الفطرة الأولى ويدخله في فطره أخرى من نوع آخر أو لا وعلى اي التقديرين يلزم ان لا يكون العذاب أبديا . اما على تقدير الخروج فظاهر لأنه صار نوعا آخر بسبب تكرر أفاعيله الشهوية أو الغضبية فصارت الملكة النفسانية صوره ذاته وجوهر طبعه فيكون تلك الأفعال عند ذلك من كمالات ذاته كالبهيمة كمالها في قضاء الشهوة والسبع كماله في الغلبة والتهجم فلم يكن الشئ معذبا بما يلايم نفسه وطبعه بل مبتهجا به كما نرى من أحوال أكثر الخلق . واما على تقدير البقاء على الفطرة التي كانوا عليها فإنه وقع الاحتجاب عنها بعوارض غير لازمه ولا دائمة فعند زوال العوارض يقع الرجوع إلى الفطرة الأصلية فينالهم الرحمة الواسعة والجود الأعم من غير دافع ولا حجاب فاذن لا وجه للخلود في العذاب ( 1 ) .
--> ( 1 ) وللقائلين بالخلود ان يجيبوا عنه باختيار كل من الشقين اما على الشق الأول وهو الخروج عن الفطرة بحصول نوعيه جديده فلان هذه الصورة الجديدة كيفما كانت هي صوره بعض الملكات الخبيثة التي حقيقتها نوع من التعلق بالمادة والنفرة عن عالم القدس والطهارة فإذا تصور بها الانسان واخذت آثارها في الظهور ثم فارقت النفس البدن وظهرت لها حقيقة الامر كان ما يصدر عنها من الآثار مؤلما لها وهي لا محيص لها عن اصدارها لمكان الملكة التي صارت صوره لها فهذه الآثار آثار كمالية لها ملائمة من حيث إنها مؤلمة منافرة لانكشاف حقيقتها للانسان في النشأة الآخرة وهذا نظير من اعتاد بشئ من العادات المضرة الهادمة لبنيان الحياة ثم انكشف له مضرتها بعد استقرار العادة فإنه عند الفعل يتألم بعين ما يلتذ به . واما على الشق الثاني وهو البقاء على الفطرة الانسانية فان تلك العوارض المؤلمة المعذبة وان كانت قسرية الا ان شيئا منها ليس بدائم ولا أكثري بل متواردة متبدلة والنفس في طريق الاستكمال في شقاوتها يعرضها عارض من العذاب بعد عارض بتفاعل هيئات الشقاوة بعضها مع بعض إلى غير النهاية كما يلوح اليه قوله تعالى كلما خبت زدناهم سعيرا وقوله كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب وبالجملة العذاب من قبيل القسر لكن الدائم هو نوع العذاب دون شخصه وهم لا يمنعون دوام القسر النوعي وأكثريته كما صرح به المصنف وبذلك وجه قسر الأرض دائما على الشكل المضرس مع كون شكله الطبيعي هو الكره ط مد