صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

100

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

لها إذ كانت الأجساد لا تقدر على جر منفعه ودفع مضرة فلو لم يكن ذلك لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى المهالك قبل فناء أعمارها وتقارب آجالها ولهلكت كلها دفعه واحده في اسرع مده فلهذه العلة جعلت الآلام والأوجاع للحيوان دون النبات وجعل فيها جبله الدفع اما بالحرب والقتال واما بالهرب والفرار والتحرز لحفظ أنفسها من الآلام العارضة إلى وقت معلوم فإذا جاء اجلها فلا ينفعها الهرب والقتال ولا التحرز بل لا بد من التسليم والانقياد وإن كان ينالها بعض الآلام والأوجاع وإذ قد ذكرنا هذه المقدمة فنقول الان ان الباري تعالى لما خلق أجناسا من الحيوانات الأرضية وعلم بأنه لا يدوم بقاء ها ابدا الآبدين جعل لكل منها عمرا طبيعيا أكثر ما يمكن ثم يجيئه الموت الطبيعي ان شاؤوا وأبى وقد علم الله تعالى بأنه يموت كل يوم منها في البر والبحر والسهل والجبل عدد لا يحصيه الا هو سبحانه فجعل بواجب حكمته ( 1 ) جثث جيف موتاها غذاء لاحيائها ومادة لبقائها لئلا يضيع شئ مما خلق بلا نفع وفائدة وكان هذا منفعه للاحياء ولم يكن فيه ضرر على الموتى .

--> ( 1 ) ان قلت لم يعلم من هذه الحكمة ولا مما يأتي وجه اكل جثث احيائها قلت بل علم بانضمام ما ذكر أولا ان النظر في طلب العلة لا بد ان يكون كليا وان الغرض النفع الكلى والصلاح العام فلا مبالاة بالحث بالعرض على اكل جثث الاحياء المتشابهة بالموتى في جنب الحث على حفظ الأجساد وكلائتها والحث على اكل الجيف المقصودين في العناية بالذات مع أنها أعطتها الحزم والفراسة وآلات الحرب والهرب كما قيل بشير شرزه كردى حمله تعليم * باهوى ختن دادى دويدن فانظروا يا أولى الابصار ان ما فعله الصانع الحكيم تعالى شانه في هذا العالم موطن الديدان ودار التغالب والتنازع والحدثان بحيث وجه كلا شطر مقصوده ووفى حقه وغرضه الحقيقي في طريق الوصول إلى فناء معبوده هو التام الكامل والجيد الفاضل حقا يبهر العقول حسن صنعه ويدهش الألباب جوده تنظيمه س قده .