الشهيد الثاني
المقدمة 6
مسالك الأفهام
مرحلة من مراحل تطوره عبر تأريخه الطويل قيمتها ومكانتها لا تفقد منهما شيئا رغم التغير الطارئ على مبادئه ومقاصده . وهذا ما يمتاز به الفقه من بين كل العلوم والمعارف البشرية ، فإن آراء الأقدمين في كل علم وفن لا يعدوا أثرا تأريخيا ينظر إليه الأجيال المتأخرة كمرحلة تأريخية لتطور العلم والفن ليكون عبرة لمن تأخر ، وأمثولة للسائرين الكادحين إلى ربهم على درب الإنسانية الطويل ، ولكن آراء الفقهاء القدماء لا تفقد قيمتها العلمية مهما طال الزمان ، وبعد العهد ، بل الأمر بالعكس ، فكل ما كان الفقيه أقدم زمانا كان لرأيه الفقهي قيمة أعلى . وربما يكون هذا مما يثير الاستغراب لدى الجاهلين بحقيقة الفقه ودوره في حياة الإنسان المسلم ، فإن الفقه حيث كان محاولة لفهم أحكام الشريعة ، فكلما كان الرأي الفقهي الموثق أقرب عهدا بعهد الرسالة والإمامة امتاز بقيمة أعلى في منظار الفقهاء المتأخرين ، فربما يتأيد به فهم الفقيه لنص الشريعة ، وربما يعتمد الفقيه على مجموعة آراء قديمة يوجب الظن أو القطع بحكم المعصوم ، وربما يؤيد شهرة فتوائية سندا للحديث أو يضعف سندا لحديث معارض ، ورما يوجب ترجيحا لأحد المتعارضين إذا عممنا المرجحات ، إلى غير ذلك من وجوه الاستفادة من آراء القدماء ، فالرأي الفقهي القديم ليس أثرا تأريخيا كرأي العالم الرياضي ، أو الفلكي الذي باد وانمحى أثره ، بل هو مما يحتاج إليه الفقيه المتأخر لاستنباط الحكم الشرعي . وهذا الأمر مما يدعونا لبذل الجهد في إحياء التراث الفقهي لا كأثر علمي وحضاري فحسب ، بل بما أنه من مقومات الفقه الحديث كعلم متطور في أسسه ومبادئه . ولهذا السبب بعد أن اقترح علينا التحقيق عن كتاب " مسالك الأفهام " لشيخنا الشهيد السعيد زين الدين العاملي قدس الله روحه سارعنا إلى تنفيذ المهمة بالرغم من المشاكل التي تحيط بها متوكلين على الله ، راجين ثوابه .