صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

71

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

اختفى النور عنه كمن ذهب إلى أن الماهيات أمور حقيقية متأصلة في الوجود والوجودات أمور انتزاعية ذهنية ومن شاهد ألوان النور وعرف انها من الزجاجات ولالون للنور في نفسه ظهر له النور وعرف ان مراتبه هي التي ظهرت في صوره الأعيان على صبغ استعداداتها كمن ذهب إلى أن مراتب الوجودات التي هي لمعات النور الحقيقي الواجبي وظهورات للوجود الحق الإلهي ظهرت في صوره الأعيان وانصبغت بصبغ الماهيات الامكانية واحتجبت بالصور الخلقية عن الهوية الإلهية الواجبية ومما يجب ان يعلم أن اثباتنا لمراتب الوجودات المتكثرة ومواضعتنا في مراتب البحث والتعليم على تعددها وتكثرها لا ينافي ما نحن بصدده من ذي قبل إن شاء الله من اثبات وحده الوجود والموجود ذاتا وحقيقة كما هو مذهب الأولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين وسنقيم البرهان القطعي على أن الوجودات وان تكثرت وتمايزت الا انها من مراتب تعينات الحق الأول وظهورات نوره وشؤونات ذاته لا انها أمور مستقلة وذوات منفصله وليكن عندك حكاية هذا المطلب إلى أن يرد عليك برهانه وانتظره مفتشا . وذهب جماعه ( 1 ) ان الوجود الحقيقي شخص واحد هو ذات الباري تعالى

--> ( 1 ) القائل بالتوحيد اما ان يقول بكثرة الوجود والموجود جميعا مع التكلم بكلمة التوحيد لسانا واعتقادا بها اجمالا وأكثر الناس في هذا المقام واما ان يقول بوحده الوجود والموجود جميعا وهو مذهب بعض الصوفية واما ان يقول بوحده الوجود وكثره الموجود وهو المنسوب إلى أذواق المتألهين وعكسه باطل واما ان يقول بوحده الوجود والموجود جميعا في عين كثرتهما وهو مذهب المصنف قده والعرفاء الشامخين والأول توحيد عامي والثالث توحيد خاصي والثاني توحيد خاص الخاص والرابع توحيد أخص الخواص فللتوحيد اربع مراتب على وفي مراتبه الأربع في تقسيم آخر التي هي توحيد الآثار وتوحيد الافعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات . ثم الفرق بين طريقته قده والطريقة المنسوبة إلى ذوق المتألهين ان المصنف قده يقول بتكثر الوجود والموجود معا ومع ذلك يثبت الوحدة في عين الكثرة كما إذا كان انسان مقابلا لمرائي متعددة فالانسان متعدد وكذا الانسانية لكنهما في عين الكثرة واحد بملاحظة العكسية وعدم الاصيلية إذ عكس الشئ بما هو عكس الشئ ليس شيئا على حياله انما هو آله للحاظ الشئ ولو جعل ملحوظا بالذات لم يكن عكسا حاكيا عن الشئ بل حاجبا فكلما كان نظرك إلى العاكس يجعل العكوس عنوانات له وآلات للحاظه فكما يحصل الارتباط طولا كذلك يحصل عرضا وان كانت في غاية التباعد كعكس يحصل منه في الجليدية في غاية الصغر أو في الماء الآجن في نهاية الكدر وكالذي يحصل منه في مرآة يحاكيه على ما هو عليه فظهور العاكس كخيط ينظم لالى العكوس المتفننة ويربطها ويجمع شتاتها ويتصالح الاضدا برباطها بخلاف ما إذا كنت محتجبا عن العاكس ووقع نظرك أولا على العكوس المتخالفة بما هي متخالفة فالوجودات إذا لاحظتها بما هي مضافه إلى الحق سبحانه بالإضافة الاشراقية أعني بعنوان انها اشراقات نوره لم تكن خاليه في ظهورها عن ظهوره وإذا لاحظتها أمورا مستقلة بذواتها كنت جاهلا بحقائقها إذ الفقر ذاتي لها فالوجود عنده حقيقة واحده ذات مراتب متفاوتة بالشدة والضعف ونحوهما وهذا التفاوت لا ينافي الوحدة لان ما به التفاوت عين ما به الاتفاق بل يؤكد الوحدة حيث إن دائره اثباته ووجدانه كلما كان أوسع واغزر وكان سلوبه وفقدانه أقل واعوز ولذا سمى هذه الكثرة كثره نورانية وكثره الماهيات كثره ظلمانية فلوجودات الخاصة الامكانية حقائق ولكنها أضواء شمس الحقيقة وروابط محضه لا انها أشياء لها الربط وسيصرح عن قريب وفي أواسط الكتاب أيضا في رد ما قاله بعض الأجلة في رسالته الزوراء ان وجود الأشياء وجود رابط لا وجود رابطي فالبصير الناقد ينبغي ان يكون ذا العينين لا يهمل شيئا من طرفي الظاهر والباطن واما على طريقتهم فالوجود واحد حقيقي لا كثره فيه بوجه أصلا والموجود متعدد وهو الماهية وموجودية الكل بالانتساب إلى الوجود الحقيقي لا بالوجودات الخاصة الامكانية بالامكان بمعنى الفقر فالمشتق عندهم أعم مما قام به مبدء الاشتقاق ومما نسب اليه ومن نفس المبدء قالوا حقائق الأشياء لا تقتنص من العرف واللغة فلا ضير في أن يكون الموجود في الماهيات بمعنى ما نسب إلى الوجود على أن اللغة أيضا تساعده كاللابن والتامر والحداد ونحوها والماهيات عندهم أمور حقيقية إذ لو كانت انتزاعية لانتزعت من وجود الواجب تعالى إذ لا وجود غيره عندهم وزيف المصنف قده طريقتهم بوجوه . الأول ان الوجود الواحد الحقيقي كيف يكون لنفسه ولغيره اي جوهرا وعرضا وكيف يكون مقدما ومؤخرا مع وحده الماهية كالانسان إذ لا تفاوت فيها ولا تشكيك . والثاني ان النسبة ليست اضافه اشراقية والا كانت وجودا وراء المنسوب اليه وهم لا يقولون به فهي نسبه مقولية فرع وجود الطرفين إذ ليست الماهية عين التعلق لان المشكوك فيه غير ما هو غير مشكوك فيه ولا يرد مثل ذلك على طريقته قده إذ لا يمكن تصور الوجود وانما تعرض لاحتمال كون النسبة اتحادية مع أنه لا يناسب طريقتهم حيث إن الماهية عندهم أصيلة كما قلناه والنسبة الاتحادية انما يتصور بين متحصل ولا متحصل لا بين متحصلين كما سيأتي في مبحث عينيه الوجود الواجبي للماهية استظهارا . والثالث ان الوجود ما هو الا مناط الموجودية فتلك النسبة وجودات متكثرة فكيف يكون هذه الطريقة توحيدا خاصيا وقولا بوحده الوجود مع أنه توحيد عامي كطريقه القائلين بكثرة الوجود والموجود بخلاف طريقته قده فهم لما قالوا بأصالة الماهية وهي مغايره للوجود بحسب شيئية ذاتها فقد قالوا بالثاني في الوجود فلم ينجوا من الشرك الخفي جعلنا الله تعالى من عباده المخلصين بل المخلصين وهو قده جعل المنسوب كالمنسوب اليه وجودا فلم يكن في الدار غير الوجود ديار . ثم لا يخفى ان بين الايراد الأول والثالث منافاة إذ مبنى الأول على أن الوجود الواجبي وجود الأشياء وبناء الثالث على أن وجوداتها أمور اعتبارية ويمكن دفع التنافي بان يقال عباراتهم في تقريب هذا المذهب مختلفه فربما يقولون مناط موجودية الأشياء الانتسابات وربما يقولون وجود زيد آله زيد فاحد الايرادين على أحد القولين والاخر على الاخر فتأمل س ره