صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
289
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
العقلية وان كانت قائمه بذواتها متشخصة بأنفسها لكن النفس لضعف ادراكها وكلالها في هذا العالم بواسطة تعلقها بالجسمانيات الكثيفة لا يتيسر لها مشاهده تامه إياها وتلق كامل لها بل مشاهده ضعيفه وملاحظة ناقصه كأبصارنا في هواء مغبر من بعد أو كابصار انسان ضعيف الباصرة شخصا فيحتمل عنده ان يكون زيدا أو عمروا أو بكرا أو خالدا أو يشك في كونه انسانا أو شجرا أو حجرا فكذا يحتمل المثال النوري والصورة العقلية عند النفس وبالقياس إلى ادراكاتها الكلية والابهام والعموم والاشتراك وغيرها من الصفات التي هي من نتائج ضعف الوجود ووهن المعقولية أعم من أن يكون ناشئا من قصور المدرك أو من فتور الادراك فان ضعف الادراك وقلة النيل كما يكون تارة من جانب المدرك بان يكون قوته الدراكه في نفسها ضعيفه كعقول الأطفال أو معوقة عن الادراك التام لمانع خارجي كالنفوس المدبرة للأبدان المتعلقة بعالم الظلمات فكذلك قد يكون أيضا من جانب المدرك وذلك يكون من جهتين اما من جهة قصوره ونقصه وخفاه في نفسه واما من جهة كماله وجلاله وغاية ظهوره وجلائه فالأول كما في الأمور الضعيفة كالزمان والعدد والهيولي ونظائرها فلا محاله يكون تعقلها ضعيفا لاتحاد العقل والمعقول بحسب الحقيقة والثاني كما في الأشياء التي تكون رفيع السمك وبعيد الدرك فلا يحتملها النفس لغاية قوتها وضعف النفس كالعقول الفعالة وربما يغلب فرط جماله وجلاله على القوة المدركة ويجعلها مقهورة مبهورة من شده نوريته وفرط قوته واستيلائه وقهره بحيث لا يمكنها ادراكه على التمام كما في ادراك العقل لواجب الوجود جل كبرياؤه . والحاصل ان النفس عند ادراكها للمعقولات الكلية تشاهد ذواتا عقلية مجرده لا بتجريد النفس إياها وانتزاعها معقولها من محسوسها كما هو عند جمهور الحكماء بل بانتقال لها من المحسوس إلى المتخيل ثم إلى المعقول وارتحال من