صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

13

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

الاسفار الأربعة واعلم ( 1 ) ان للسلاك من العرفاء والأولياء أسفارا أربعة أحدها السفر من الخلق إلى الحق . وثانيها السفر بالحق في الحق . والسفر الثالث يقابل الأول لأنه من الحق إلى الخلق بالحق . والرابع يقابل الثاني من وجه لأنه بالحق في الخلق . فرتبت كتابي هذا طبق حركاتهم في الأنوار والآثار على أربعة أسفار وسميته بالحكمة المتعالية في الاسفار العقلية فها انا أفيض في المقصود مستعينا بالحق المعبود الصمد الموجود

--> ( 1 ) اعلم أن السفر هو حركه عن الموطن أو الموقف متوجها إلى المقصد بطى المراحل وقطع المنازل وهو صوري مستغن عن البيان ومعنوي وهو على ما اعتبره أهل الشهود أربعة الأول السفر من الخلق إلى الحق برفع الحجب الظلمانية والنورية التي بين السالك وبين حقيقته التي هي معه أزلا وابدا وان شئت قلت بالترقي من مقا النفس في مقام القلب ومن مقام القلب في مقام الروح ومن مقام الروح إلى المقصد الأقصى والبهجة الكبرى وهو الجنة المزلفة للمتقين في قوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين اي المتقين عن ادناس مقام النفس وهي الحجب الظلمانية وأنوار مقام القلب وأضواء مقام الروح وهي الحجب النورانية فان المقامات الكلية للانسان هذه الثلاثة وما قيل إن بين العبد وبين الرب الف حجاب يرجع إلى تلك الثلاثة الكلية فإذا وصل السالك إلى المقصود برفع تلك الحجب المذكورة يشاهد جمال الحق ويفنى ذاته فيه وربما يقال لذا مقام الفناء في الذات وفيه السر والخفي والاخفى لكنها من السفر الثاني وسنبينه آنفا . وقد يعتبر في مقام الروح العقل نظرا إلى تفصيل شهود المعقولات فتصير المقامات سبعه مقام النفس مقام القلب مقام العقل مقام الروح مقام السر مقام الخفي مقام الاخفى وتلك المقامات تسمى بذلك الاسم باعتبار كون تلك الحالة للسالك ملكه فإن لم تكن فإذا افنى السالك ذاته فيه تعالى ينتهى سفره الأول ويصير وجوده وجودا حقانيا ويعرض له المحو ويصدر عنه الشطح فيحكم بكفره ويقام عليه حده فان تداركته العناية الإلهية يزول محوه ويشمله الصحو يقر بذنبه وعبوديته بعد ما ظهر بالربوبية قال أبو يزيد البسطامي الهي ان قلت يوما سبحان ما أعظم شاني فانا اليوم كافر مجسوى فانقطع زنارى وأقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ولعل الكلام قد خرج عما كان ولولا الاطناب يمل والاستماع يكل لاشبعت الكلام في هذا السفر لكن هناك يكفي ما قررناه لك . ثم عند انتهاء السفر الأول باخذ السالك في السفر الثاني وهو السفر من الحق إلى الحق بالحق وانما يكون بالحق لأنه صار وليا وجوده وجودا حقانيا فيأخذ في السلوك من موقف الذات إلى الكمالات واحدا بعد واحد حتى يشاهد جميع كمالاته فيعلم الأسماء كلها الا ما استأثره عنده فيصير ولايته تاما ويعنى أيضا ذاته وافعاله وصفاته هي ذات الحق وصفاته وافعاله فبه يسمع وبه يبصر وبه يمشى وبه يبطش والسر فناء ذاته والخفاء فناء صفاته وافعاله والاختفاء فناء فنائيته وان شئت قلت السر هو الفناء في الذات وهو منتهى السفر الأول ومبدء السفر الثاني والخفاء هو الفناء في الألوهية والاخفاء هو الفناء عن الفنائين فيتم دائره الولاية وينتهى السفر الثاني وينقطع فنائه ويأخذ في السفر الثالث وهو السفر من الحق إلى الخلق بالحق ويسلك من هذا الموقف في مراتب الافعال ويزول محوه ويحصل له الصحو التام ويبقى ببقاء الله ويسافر في عوالم الجبروت والملكوت والناسوت ويشاهد هذه العوالم كلها بأعيانها ولوازمها ويحصل له حظ من النبوة فينبئ عن المعارف من ذاته تعالى وصفاته وافعاله وليس له نبوة التشريع فإنه لا يخبر الا عن الله تعالى وصفاته وافعاله ولا يسمى نبيا ويأخذ الاحكام والشرائع من النبي المطلق ويتبعه وحينئذ ينتهى السفر الثالث ويأخذ في السفر الرابع وهو من الخلق إلى الحق بالحق فيشاهد الخلائق وآثارها ولوازمها فيعلم مضارها ومنافعها في العاجل والأجل يعنى في الدنيا والآخرة ويعلم رجوعها إلى الله وكيفية رجوعها وما يسوقها ويقودها ويخزيها وما يمنعها ويعوقها ويدعوها فيكون نبيا بنبوة