أبو يعلى الموصلي
437
مسند أبي يعلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح عنه الرخصاء ، فقال : " أين السائل " . فرأينا أنه حمده فقال : " إن الخير لا يأتي بالشر ، وإن مما ينبت الربيع يقتل - أو يلم - حبطا ، ألم تروا إلى آكلة الخضر أكلت حتى امتلأت خاصرتاها ، فاستقبلت عين الشمس فثلطت فبالت ، ثم رتعت ؟ وإن المال حلوة خضرة ونعم صاحب المسلم هو إن وصل الرحم ، وأنفق في سبيل الله . ومثل الذي يأخذه بغير حقه كمثل الذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة " ( 1 ) . . .
--> ( 1 ) إسناده صحيح ، وأخرجه أحمد 3 / 21 من طريق يزيد بن هارون ، بهذا الاسناد . وأخرجه أحمد 3 / 91 ، والبخاري في الجمعة ( 921 ) باب : يستقبل الامام القوم ، واستقبال الناس الامام إذا خطب ، وفي الزكاة ( 1465 ) باب : الصدقة على اليتامى ، ومسلم في الزكاة ( 1052 ) ( 123 ) باب : تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا ، والنسائي في الزكاة 5 / 90 باب : الصدقة على اليتيم ، من طرق عن هشام الدستوائي ، بهذا الاسناد . وأخرجه البخاري في الجهاد ( 2842 ) باب : فضل النفقة في سبيل الله ، من طريق محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، به . وأخرجه البخاري في الرقاق ( 6427 ) باب : ما يحذر من زهرة الحياة الدنيا والتنافس فيها ، ومسلم ( 1052 ) ( 122 ) ، من طريق مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، به . وأخرجه أحمد 3 / 7 ، ومسلم ( 1052 ) ، وابن ماجة في الفتن ( 3995 ) باب : فتنة المال ، من طرق عن عياض بن عبد الله ، عن أبي سعيد الخدري . الرحضاء : العرق في الشدة ، يلم : يقارب الاهلاك . الحبط : بفتح المهملة والموحدة والطاء المهلة : امتلاء البطن وانتفاخه من كثرة الاكل . والخيط ، بالخاء المعجمة من التخبط ، وهو الاضطراب . والرواية الأولى هي المعتمدة . والخضر : بفتح الخاء ، وكسر الضاد المعجمتين نوع من العشب تستلذه الماشية فتستكثر من أكله . وثلط : بمثلثة ولام مفتوحتين ، ثم طاء مهملة : ألقت ما في بطنها رقيقا . وقال الأزهري : " فيه مثلان ، أحدهما للمفرط في جمع الدنيا المانع من إخراجها في وجهها وهو الذي يقتل حبطا . والثاني المقتصد في جمعها وفي الانتفاع بها وهو آكلة الخضر ، فهو مقتصد في أخذها وجمعها ، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ، ولا منعها من مستحقها ، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر " . وقال الزين ابن المنير : " في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة ، أولها تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره ، والثاني : تشبيه المنهمك في الاكتساب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب . والثالث : تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الاكل والامتلاء منه . والرابع : تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به - بما تطرحه البهيمة من السلح ، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعا ، والخامس : تشبيه المتقاعد عن جمعه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونا وسكينة ، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها . السادس : تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها . والسابع : تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوا ، فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه حبا له ، وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببا لعقاب مقتنيه ، والثامن : تشبيه آخذه بغير حق ، بالذي يأكل ولا يشبع " . وفي هذا الحديث من الفوائد : جلوس الامام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة ونحوها ، فيه جلوس الناس حوله ، والتحذير من المنافسة في الدنيا ، وفيه استفهام العالم عما يشكل ، وطلب الدليل لدفع المعارضة . وفيه تسمية المال خيرا ، وفيه ضرب المثل بالحكمة - وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن كالبول - فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني ألائقة بالمقام . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يسأل عنه ، ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل ، وفيه لوم من ظن به تعنت في السؤال ، وحمد من أجاد فيه . وفيه الحض على إعطاء المسكين ، واليتيم ، وابن السبيل ، وفيه أن مكتسب المال من غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع ، وفيه ذم الاسراف ، وكثرة الاكل والنهم فيه .