أبو يعلى الموصلي

150

مسند أبي يعلى

فدعوا له ، فاستشارهم فقال بعضهم : خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع . وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء . فقال لهم . ارتفعوا عني ، ثم قال : ادعوا لي الأنصار ، فدعوا له ، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم ، قال : قوموا عني ، ثم قال : ادعوا لي من كان هاهنا من مشيخة قريش ، من مهاجرة الفتح فدعوا له فاستشارهم ، فلم يختلف عليه رجلان فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ، ولا تقدمهم على هذا الوباء . فنادى عمر إني مصبح على ظهر . فاجتمعوا عليه ، فقال أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله ؟ قال : لو غيرك قال يا أبا عبيدة ، نعم فرارا من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا ذا عدوتين : إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ فجاء عبد الرحمن وكان متغيبا في بعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " فحمد الله عمر ثم انصرف ( 1 ) . . .

--> ( 1 ) إسناده صحيح ، وهو عند مالك في الجامع ( 22 ) باب : ما جاء في الطاعون . ومن طريق مالك أخرجه : أحمد 1 / 194 ، والبخاري في الطب ( 5729 ) باب : ما يذكر في الطاعون ، وفي الحيل ( 6973 ) باب : ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون ، ومسلم في السلام ( 2219 ) باب : الطاعون والطيرة والكهانة . وأخرجه أحمد 1 / 194 ، ومسلم ( 2219 ) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، بهذا الاسناد ، مختصرا . وأخرجه المرفوع منه مالك ( 24 ) ، والبخاري ( 5730 ) ، ومسلم في السلام ( 2219 ) ( 100 ) ، وأخرجه أحمد 1 / 192 من طريق روح ، حدثنا محمد أبي حفصة ، حدثنا الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . . والعدوة : بضم العين المهملة وبكسرها أيضا : المكان المرتفع من الوادي ، وهو شاطئه . وفي هذا الحديث : جواز رجوع من أراد دخول بلد فعلم أن بها الطاعون - وهو رخصة ، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل . وفيه منع من وقع الطاعون في بلد وهو فيها من الخروج منها ، وفيه مشروعية المناظرة ، والاستشارة في النوازل وفي الاحكام ، وفيه أن الاختلاف لا يوجب حكما وأن الاتفاق هو الذي يوجبه ، وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النص ، وأن النص يسمى علما . وأن الأمور كلها تجري بقدر الله وعلمه ، وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه . وفيه وجوب العمل بخبر الواحد وهو من أقوى الأدلة على ذلك ، وفيه الترجيح بالأكثر عددا والأكثر تجربة ، وفيه تفقد أحوال الرعية من قبل الامام لما في ذلك من إزالة ظلم المظلوم ، وكشف كربة المكروب ، وردع أهل الفساد ، وإظهار الشرائع والشعائر ، وإنزال الناس منازلهم . قال تقي الدين ابن دقيق العيد : " الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الاقدام عليه تعريض النفس للبلاء ولعلها لا تصبر عليه ، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل فمنع ذلك حذرا من اغترار النفوس ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار . وأما الفرار فقد يكون داخلا في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه ، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين ، ومن هذه المادة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تتمنوا لقاء العدو ، وإذا لقيتموهم فاصبروا " فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء ، وخوف اغترار النفس إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله تعالى " .