الخطيب الشربيني
72
مغني المحتاج
يعني أن الله تعالى يخلق في الشخص إدراك ما ذكر عند استعماله تلك القوة . الشئ الخامس هو ما ذكره في قوله : ( وفي ) إبطال ( الكلام ) بجناية على اللسان ( الدية ) لخبر البيهقي في اللسان الدية إن منع الكلام . وقال ابن أسلم : مضت السنة بذلك ولان اللسان عضو مضمون بالدية فكذا منفعته العظمى كاليد والرجل ، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة لا يعود كلامه ، قاله في أصل الروضة على ما سبق من الفرق بين أن يقدروا مدة يعيش إليها أولا ، فإن أخذت ثم عاد استردت ، ولو ادعى زوال نطقه امتحن بأن يروع في أوقات الخلوات وينظر هل يصدر منه ما يعرف به كذبه ، فإن لم يظهر شئ حلف المجني عليه كما يحلف الأخرس ووجبت الدية ، هذا في إبطال نطقه بكل الحروف ( و ) أما ( في ) إبطال ( بعض الحروف ) فيعتبر ( قسطه ) من الدية ، هذا إذا بقي له كلام منتظم مفهوم وإلا فعليه كمال الدية كما جزم به صاحب الأنوار ( و ) الحروف ( الموزع ) أي التي توزع ( عليها ) الدية ( ثمانية وعشرون حرفا في لغة العرب ) أي من كانت لغته ، بحذف كلمة لا ، لأنها لام ألف وهما معدوتان ، ففي إبطال نصف الحروف نصف الدية ، وفي إبطال حرف منها ربع سبعها ، وعدها الماوردي تسعة وعشرين بإثبات كلمة لا . قال الزركشي : وجمهور النحاة عدوها تسعة وعشرين بالألف والهمزة ، وأسقط المبرد الهمزة وجعلها ثمانية وعشرين ، ومن أطلق هذا العدد على رأي الجمهور فهو إما سهو وإما تسامح في العبارة بإطلاق الألف على أعم من الهمزة والألف الساكنة ، وربما وقع في كلام سيبويه جواز إطلاق الألف على الهمزة تجوزا اه . واحترز بلغة العرب عن غيرها ، فإن كانت لغته غيرها وزع على حروف لغته وإن كانت أكثر حروفا ، وقد انفردت لغة العرب بحرف الضاد فلا يوجد في غيرها ، وفي اللغات حروف ليست في لغة العرب كالحرف المتولد بين الجيم والسين . والحروف المذكورة تسمى حروف الهجاء والتهجي التي أولها في العد عادة ألف : أي همزة ، با ، تا إلى آخر فالباء اسم ومسماه به وهكذا الخ . تنبيه : حروف اللغات مختلفة ، بعضها أحد عشر ، وبعضها أحد وثلاثون ، فلو تكلم بلغتين وحروف إحداهما أكثر وبطل بالجناية بعض حروف كل منهما فهل يوزع على أكثرهما حروفا أو على أقلهما ؟ وجهان : أرجحهما كما قاله البلقيني وغيره الأول ، لأن الأصل براءة ذمة الجاني فلا يلزمه إلا اليقين ، ولا فرق في توزيع الدية على الحروف بين اللسانية وغيرها كالحروف الحلقية ( وقيل لا يوزع على ) غير اللسانية من ( الشفهية ) وهي أربعة : الباء والفاء والواو والميم نسبة للشفة على أصلها في الأصح ، وهو شفهة ، ولك أن تنسبها على اللفظ فنقول شفي . وقيل : أصل شفة شفوة فحذفت الواو ، وعليه قول المحرر الشفوية ( و ) من ( الحلقية ) أي المنسوبة للحلق ، وهي ستة : الهمزة ، والهاء ، والعين والحاء المهملتان ، والغين والخاء المعجمتان ، لأن الجناية على اللسان فتوزع الدية على الحروف الخارجة منه ، وهي ما عدا المذكورات ، وعلى هذا فيكون الموزع عليه ثمانية عشر ، لأن منفعة اللسان النطق بها فتكمل الدية فيها . وأجاب الأول بأن الحروف وإن كانت مختلفة المخارج الاعتماد في جميعها على اللسان ، وبه يستقيم النطق ويكمل . تنبيه : لو قطع شفتيه فذهبت الميم والباء فهل يجب أرشهما مع دية الشفتين أو لا ؟ . وجهان : أوجههما كما قاله شيخنا الأول ، ويضمن أرش حرف فوتته ضربة أفادته حروفا لم يكن يتمكن من النطق بها ولا ينجبر الفائت بما حدث لأنه نعمة جديدة . وهل يوزع على الحروف وفيها الحروف المفادة أو عليها قبل الجناية ؟ قال الإمام : هذا موضع نظر ، وقضية كلام الرافعي ترجيح الثاني ، وبه صرح صاحب الذخائر ( ولو عجز ) المجني على لسانه ( عن بعضها ) أي الحروف ( خلقة ) كأرت وألثغ ، وسبق بيانهما في صلاة الجماعة ولم يكن لغته كذلك ( أو بآفة سماوية فدية ) كاملة في إبطال كلام كل منهما لأنه ناطق وله كلام مفهوم ، إلا أن في نطقه ضعفا ، وضعف منفعة العضو لا يقدح في كمال الدية كضعف البطش والبصر ، فعلى هذا لو أبطل بالجناية بعض الحروف ، فالتوزيع على ما يحسنه لا على جميع الحروف ( وقيل قسط ) من الدية بالنسبة لجميع الحروف . أما من عجز عن بعضها خلقة وكانت لغته كذلك كالفارسي الذي لا ضاد