الخطيب الشربيني

542

مغني المحتاج

تنبيه : محل صحة إجارتها إذا كان من غيرها ، أما إذا أجرها نفسها فإنه لا يصح ، بخلاف بيعها من نفسها كما سيأتي . ولو مات السيد بعد أن أجرها انفسخت الإجارة ، فإن قيل : لو أعتق رقيقه المؤجر لم تنفسخ فيه الإجارة فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن السيد في العبد لا يملك منفعة الإجارة ، فإعتاقه ينزل على ما يملكه ، وأم الولد ملكت نفسها بموت سيدها فانفسخت الإجارة في المستقبل . ويؤخذ من هذا أنه لو أجرها ثم أحبلها ثم مات لا تنفسخ الإجارة ، وهو كذلك . ( وكذا ) له ( تزويجها بغير إذنها في الأصح ) لبقاء ملكه عليها وعلى منافعها ، فملك تزويجها كالمدبرة . والثاني : لا يجوز إلا بإذنها ، كالمكاتبة . والثالث : لا يجوز وإن أذنت لأنها ناقصة في نفسها وولاية السيد ناقصة ، فأشبهت الصغيرة لا يزوجها الأخ بإذنها . ولو عبر المصنف بالأظهر لكان أولى ، فإن الخلاف أقوال كما ذكراه في الروضة وأصلها . وله تزويج بنتها جبرا لما مر في أمها ، ولا حاجة إلى استبرائها ، بخلافه لفرشها ، ولا يجبر ابنها على النكاح ، ولا له أن ينكح بلا إذن السيد ، وبإذنه يجوز . وعلى الأول يستثنى الكافر فلا يزوج مستولدته المسلمة على الأصح . وما استثناه البغوي من أن المبعض لا يزوج مستولدته ممنوع كما قاله البلقيني ، لأن السيد يزوج أمته بالملك لا بالولاية . ( ويحرم ) ويبطل ( بيعها ورهنها وهبتها ) لخبر الدارقطني السابق في الأولى والثالث ، ولأنها لا تقبل النقل فيهما ، وقياسا للثاني عليهما ، ولان فيه تسليطا على المبيع وقد قام الاجماع على عدم صحة بيعها . واشتهر عن علي رضي الله عنه أنه خطب يوما على المنبر فقال في أثناء خطبته : اجتمع رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن ، وأنا الآن أرى بيعهن . فقال عبيدة السلماني : رأيك مع رأي عمر - وفي رواية : مع الجماعة - أحب إلينا من رأيك وحدك . فقال : اقضوا فيه ما أنتم قاضون ، فإني أكره أن أخالف الجماعة . فلو حكم حاكم بصحة بيعها نقض حكمه لمخالفته الاجماع . وما كان في بيعها من خلاف بين القرن الأول فقد انقطع وصار مجمعا على منعه . وأما خبر أبي داود وغيره عن جابر : كنا نبيع أمهات سرارينا أمهات الأولاد والنبي ( ص ) حي لا نرى بذلك بأسا الذي استدل به القديم على جواز البيع ، فأجيب عنه بجوابين : الأول أنه منسوخ ، الثاني : أن هذا منسوب إلى النبي ( ص ) استدلالا واجتهادا فيقدم عليه ما نسب فيه قولا ونصا وهو الحديث السابق عن الدارقطني . وقيل : إن النبي ( ص ) لم يعلم بذلك كما قال ابن عمر : كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ( ص ) نهى عن المخابرة فتركناها . فائدة : قد ناظر في هذه المسألة أبو بكر بن داود بن سريج ، فقال أبو بكر : أجمعنا على أنها قبل أمية الولد كانت تباع فيستصحب هذا الاجماع إلى أن يثبت ما يخالفه ، فقال له ابن سريج : أجمعنا على أنها حين كانت حاملا بحر لا تباع فيستصحب هذا الاجماع القريب إلى أن يثبت ما يخالفه ، فأفحمه . تنبيه : قد يقتضي كلام المصنف منع كتابته ، لأن الكتابة اعتياض عن الرقبة ، ونقله الروياني عن النص ، ولكن الأصح كما في الرافعي الجواز . وأشعر قرنه البيع بالهبة أنه حيث حرم بيعها حرم هبتها وعكسه ، لكن استثنى منه المرهونة والجانية فإنه يجوز بيعها ولا تجوز هبتها . ويستثنى من إطلاقه منع بيعها من نفسها بناء على أنه عقد عتاقة ، وهو الأصح ، وكبيعها في ذلك هبتها كما صرح به البلقيني بخلاف الوصية به لاحتياجها إلى القبول ، وهو إنما يكون بعد الموت وعتقها يقع عقبه . وليس له بيعها ممن تعتق عليه ، ولا يشرط العتق ولا ممن أقر بحريتها ، فإنا ولو قلنا هو من جهة المشترى افتداء وبيع من جهة البائع يثبت له فيها الخيار ففيه نقل مالك كالصورتين الأولتين . ويؤخذ من البناء المار في بيعها من نفسها أن محله إذا كان السيد حر الكل ، أما إذا كان مبعضا فإنه لا يصح لأنه عقد عتاقة كما مر وهو ليس من أهل الولاء ، وهذا مأخوذ من كلامهم وإن لم أر من ذكره . والهبة كالبيع فيما ذكر . وهذا كله إذا لم يرتفع الايلاد ، فإن ارتفع بأن كانت كافرة وليست لمسلم وسبيت وصارت قنة فإنه يصح جميع التصرفات فيها ، فلو عادت لملكها بعد ذلك لم يعد الاستيلاد ، لأنا أبطلناه بالكلية ، بخلاف المستولدة المرهونة إذا بيعت ثم ملكها الراهن لأنا إنما أبطلنا الاستيلاد فيها بالنسبة إلى المرتهن