الخطيب الشربيني

488

مغني المحتاج

الذي لم يعينا له بدلا ، وهو نصف سالم ، وفي الباقي خلاف تبعيض الشهادة ، فعلى ما صححه الأصحاب من صحة التبعيض يعتق نصف سالم مع كل غانم ، والمجموع قدر الثلث . ( فإن كان الوارثان ) الحائزان ( فاسقين لم يثبت الرجوع ) عن الوصية لسالم لعدم قبول شهادة الفاسق ، ( فيعتق سالم ) بشهادة الأجنبيين ، لأن الثلث يحتمله ولم يثبت الرجوع فيه . ( و ) يعتق ( من غانم ) قدر ما يحتمله ( ثلث ماله بعد سالم ) وكأن سالما هلك أو غصب من التركة مؤاخذة للورثة بإقرارهم . تنبيه : لو لم يتعرضا للرجوع أقرع بينهما ، نعم إن كانا فاسقين عتق غانم وثلثا سالم كما بحثه بعض المتأخرين . تتمة : لو قال السيد لعبده : إن قتلت أو إن مت في رمضان فأنت حر فأقام العبد بينة بأنه قتل في الأولى أو بأنه مات في رمضان في الثانية ، وأقام الوارث بينة بموته حتف أنفه في الأولى وبموته في شوال في الثانية قدمت بينة العبد ، لأن معها زيادة علم بالقتل في الأولى وبحدوث الموت في رمضان في الثانية ، ولا قصاص في الأولى لأن الوارث منكر للقتل ، فإن أقام الوارث بينة في الثانية بموته في شعبان قدمت بينته ، لأنها ناقلة . وإن علق عتق سالم بموته في رمضان أو في مرضه وعلق عتق غانم بموته في شوال أو بالبرء من مرضه فأقاما بينتين بموجب عتقهما ، فهل يتعارضان كما قاله ابن المقري أو تقدم بينة سالم كما قاله صاحب الأنوار أو بينة غانم كما استظهره شيخنا ؟ أوجه ، أظهرها آخرها . فصل : في شروط القائف وبيان إلحاقه النسب بغيره : وذكر المصنف بعض أحكامه في بابي العدة واللقيط . والقائف لغة متتبع الآثار ، والجمع قافة كبائع وباعة . وشرعا : من يلحق النسب بغيره عند الاشتباه بما خصه الله تعالى به من علم ذلك . والأصل في الباب خبر الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : دخل علي النبي ( ص ) مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا بها رؤسهما وقد بدت أقدامهما فقال إن هذه الاقدام بعضها من بعض ؟ فإقراره ( ص ) على ذلك يدل على أن القافة حق . قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : فلو لم يعتبر قوله لمنعه من المجازفة ، وهو ( ص ) لا يقر على خطأ ولا يسر إلا بالحق اه‍ . وسبب سروره ( ص ) بما قاله مجزز أن المنافقين كانوا يطعنون في نسب أسامة لأنه كان طويلا أسود أفنى الانف ، وكان زيد قصيرا بين السواد والبياض أخنس الانف ، وكان طعنهم مغيظة له ( ص ) إذ كانا حبيه ، فلما قال المدلجي ذلك وهو لا يرى إلا أقدامهما سر به ، نقله الرافعي عن الأئمة . وقال أبو داود : إن زيدا كان أبيض . وروى ابن سعد أن أسامة كان أحمر أشقر وزيد مثل الليل الأسود . وروى مالك : أن عمر دعا قائفين في رجلين تداعيا مولودا ، وشك أنس في مولود له فدعا له قائفا ، رواه الشافعي رضي الله تعالى عنه . وبقولنا قال مالك وأحمد ، وخالف أبو حنيفة وقال : لا اعتبار بقول القائف . وهو محجوج بما مر . وفي عجائب المخلوقات عن بعض التجار أنه ورث من أبيه مملوكا أسود شيخا ، قال : فكنت في بعض أسفاري راكبا على بعير والمملوك يقوده فاجتاز بنا رجل من بني مدلج فأمعن فينا نظره ثم قال : ما أشبه الراكب بالقائد قال : فرجعت إلى أمي فأخبرتها بذلك ، فقالت : إن زوجي كان شيخا كبيرا ذا مال ولم يكن له ولد فزوجني بهذا المملوك فولدتك ثم فكني واستلحقك . وكانت العرب تلحق بالقيافة وتفخر بها وتعدها من أشرف علومها ، وهي الفراسة ، غرائز في الطباع يعان عليها المجبول ويعجز عنها المصروف عنها . وللقائف شروط شرع المصنف في ذكرها بقوله : ( شرط القائف ) أي شروطه ( مسلم ) فلا يقبل من كافر ، ( عدل ) فلا يقبل من فاسق لأنه حاكم أو قاسم . تنبيه : كان الأولى أن يقول إسلام ، وكذا ما بعده فيأتي المصدر ، لأن الشرط هو الاسلام لا الشخص ، ومر التنبيه على ذلك في كتاب القضاء . وعبارة المحرر : أن يكون مسلما وهو حسن . وأهمل المصنف كونه بصيرا ناطقا وانتفاء العداوة عن الذي ينفيه عنه وانتفاء الولاء عمن يلحقه به ، فلو عبر بأهلية الشهادة كما في الروضة لكان أخصر وأعم ،