الخطيب الشربيني

476

مغني المحتاج

بقوله : ( و ) كل ( من توجهت ) أي وجبت ( عليه يمين ) بأن ألزم بها في دعوى صحيحة ( لو أقر بمطلوبها ) أي الدعوى ( لزمه ) ذلك المطلوب ( فأنكر حلف ) بضم أوله بخطه ، لخبر : البينة على المدعي واليمين على المنكر رواه البيهقي ، وفي الصحيحين خبر : اليمين على المدعى عليه . تنبيه : قوله : يمين وقع في نسخة المصنف ونسب لسبق القلم ، وصوابه دعوى كما في المحرر والشرحين والروضة . وقوله : فأنكر بين ذلك ، لأن الانكار يكون بعد الدعوى لا بعد طلب اليمين ، وقد يندفع هذا الاعتراض بما قدرته في كلامه . قال السبكي في الحلبيات : وتعبير المنهاج صحيح ، وإنما عدل عن الدعوى إلى اليمين لأنه قد يطلب اليمين من غير دعوى فيما إذا طلب القاذف يمين المقذوف أو وارثه ، أي المطالب له أنه ما زنى ، فإنه إذا ادعى وطلب اليمين أو طلبها من غير دعوى أجيب إلى تحليفه على الصحيح ، إذ له غرض في أن لا يدعي الزنا حتى لا يكون قاذفا ثانيا . لكن قد يحتاج على هذا أن قوله توجهت عليه بمعنى طلبت منه ، قال : لكن قوله بعد فأنكر غير متضح ، فإن الانكار يكون بعد الدعوى لا بعد طلب اليمين إلا أن يريد أنه صمم على الانكار اه‍ . ثم إن حلف المقذوف أو وارثه حد القاذف ، وإن نكل وحلف القاذف سقط عنه الحد ولم يثبت الزنا بحلفه كما مرت الإشارة إليه في الزنا . وخرج بما لو أقر بمطلوبها لزمه نائب المالك كالوصي والوكيل فلا يحلف لأنه لا يصح إقراره . وعبر في الروضة في ضابط الحلف بأنه كل من يتوجه عليه دعوى صحيحة ، ثم حكى ضابط المتن بقيل ، قال الزركشي تبعا للسبكي : والظاهر أن الثاني شرح للأول لأن الدعوى الصحيحة تقتضي ذلك فلا اضطراب حينئذ . وما ذكره المصنف ليس ضابطا لكل حالف ، فإن اليمين مع الشاهد الواحد لا يدخل فيه ولا يمين الرد ولا إيمان القسامة واللعان وكأنه أراد الحالف في جواب دعوى أصلية ، وأيضا فهو غير مطرد لاستثنائهم منه صورا كثيرة أشار في المتن لبعضها بقوله : ( ولا يحلف قاض على تركه الظلم ) في حكمه ، ( ولا ) يحلف ( شاهد أنه لم يكذب ) في شهادته لارتفاع منصبهما عن ذلك . واحترزت بقوله : في حكمه عما إذا لم يتعلق بحكمه كدعوى مال وغيره فهو كغيره ، ويحكم فيه خليفته أو قاض آخر ، وهذه المسألة قد تقدمت في كتاب القضاء . ( ولو قال مدعى عليه : أنا صبي ) واحتمل ذلك ، ( لم يحلف ووقف ) أمره في الخصومة ( حتى يبلغ ) فيدعى عليه . وإن كان لو أقر بالبلوغ في وقت احتماله قبل ، لأن حلفه يثبت صباه ، وصباه يبطل حلفه ، ففي تحليفه إبطال تحليفه . نعم الكافر المسبي المنبت إذا قال : تعجلت العانة حلف وجوبا في الأظهر لسقوط القتل ، بناء على أن الانبات علامة للبلوغ ، فإن نكل قتل ولو كان دعوى الصبا من غيره ، كما إذا ادعى له وليه مالا ، وقال المدعى عليه : من تدعي له المال بالغ فللولي طلب يمين المدعى عليه أنه لا يعلمه صغيرا ، فإن نكل لا يحلف الولي على صباه . وهل يحلف الصبي ؟ وجهان في فتاوى القاضي بناء على القولين في الأسير . ويستثنى مع استثناء المصنف مسائل : منها ما لو علق الطلاق على شئ من أفعال المرأة كالدخول فادعته المرأة وأنكره الزوج ، فالقول قوله ، فلو طلبت المرأة تحليفه على أنه لا يعلم وقوع ذلك لم يحلف ، نعم إن ادعت وقوع الفرقة حلف على نفيها كما نقله الرافعي عن القفال وأقره . ومنها ما إذا ادعت الجارية الوطئ وأمية الولد وأنكر السيد أصل الوطئ ، فالصحيح في أصل الروضة أنه لا يحلف . وصوب البلقيني التحليف سواء أكان هناك ولد أم لم يكن ، وصوب السبكي حمل ما في الروضة على ما إذا كانت المنازعة لاثبات النسب ، فإن كانت لامية الولد ليمتنع من بيعها وتعتق بعد الموت فيحلف . قال : وقد قطعوا بتحليف السيد إذا أنكر الكتابة ، وكذا التدبير إذا قلنا إن إنكاره ليس برجوع . ومنها ما لو طلب الإمام الساعي بما أخذه من الزكاة فقال : لم آخذ شيئا لم يحلف وإن كان لو أقر بالأخذ لزمه ، حكاه شريح في روضته عن الأصحاب . ومنها ما لو قسم الحاكم المال بين الغرماء فظهر غريم آخر وقال لاحد الغرماء ، أنت تعلم وجوب حقي وطلب يمينه لم يلزمه ، حكاه الشيخان عن العبادي . ومنها ما لو ادعى من عليه زكاة مسقطا لم يحلف إيجابا مع أنه لو أقر بمطلوب الدعوى لزمه .