الخطيب الشربيني
450
مغني المحتاج
والفتح مصدر ضاق الشئ ، وبالفتح جمع الضيقة ، وهو الفقر وسوء الحال . وإنما اعتبر ذلك لأنه لا يمكن فيه التوصل إلى اليقين ، بل يكفي الاعتماد فيه على ما تدل عليه القرائن من حاله ، ويعرف ذلك بمراقبته في خلواته وحالة ضمها وما يظهر عليه من الاعسار بشدة صبره على الضرر والإضافة . ولا بد فيه من اعتبار الخبرة الباطنة كما ذكره في التفليس ، وإنما لم يذكره هنا لأنه شرط لقبول شهادته لا لجواز إقدام الشاهد . تتمة : لا يثبت دين باستفاضة لأنها لا تقع في قدره ، كذا علله ابن الصباغ . قال الزركشي : ويؤخذ منه أن ملك الحصص من الأعيان لا يثبت بالاستفاضة ، قال : وثبوت الدين بالاستفاضة قوي . وكان ينبغي للمصنف ترجيحه كما رجح ثبوت الوقف ونحوه بها ولا فرق بينهما . وما شهد به الشاهد اعتمادا على الاستفاضة يجوز الحلف عليه اعتمادا عليها بل أولى لأنه يجوز التحلف على خط الأب دون الشهادة . فصل : في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك : وتطلق الشهادة على تحملها كشهدت بمعنى تحملت ، وعلى أدائها كشهدت عند القاضي بمعنى أديت ، وعلى المشهود به وهو المراد هنا ، كتحملت شهادة يعني المشهود به ، فيكون مصدرا بمعنى المفعول . ( تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح ) لتوقف الانعقاد عليه ، ومثله ما يجب فيه الاشهاد لتوقف الانعقاد عليه ، فلو امتنع الكل أثموا ، ولو طلب من اثنين وثم غيرهما لم يتعينا ، بخلاف ما إذا تحمل جماعة وطلب الأداء من اثنين وسيأتي الفرق بينهما . ( وكذا الاقرار والتصرف المالي ) وغيره كطلاق وعتق ورجعة ، ( وكتابة الصك ) وهو الكتاب ، فالتحمل في كل منها فرض كفاية ( في الأصح ) للحاجة إلى إثبات ذلك عند التنازع . وكتابة الصكوك يستعان بها في تحصين الحقوق ، والمراد بها في الجملة لما مر أنه لا يلزم القاضي أن يكتب للخصم بما ثبت عنده أو حكم به ، ولأنها لا يستغنى عنها في حفظ الحق والمال ولها أثر ظاهر في التذكر . والثاني : المنع ، لصحة ما ذكر بدون إشهاد . تنبيه : التقييد بالتصرف المالي لا معنى له ، فإن الخلاف جار في غيره كما قدرته في كلامه كالطلاق ، ولذلك أطلق في التنبيه أن تحمل الشهادة فرض كفاية . ثم على فرضية التحمل من طلب منه لزمه إذا كان مستجمعا لشرائط العدالة معتقدا لصحة ما يتحمله وحضره المتحمل ، فإن لم يكن مستجمع الشروط فلا وجوب ، قال القاضي : جزما . أو دعي للتحمل فلا وجوب إلا أن يكون الداعي معذورا بمرض أو حبس أو كان امرأة مخدرة أو قاضيا يشهده على أمر ثبت عنده فتلزمه الإجابة . قال البلقيني : محل كون التحمل فرض كفاية إذا كان المتحملون كثيرين ، فإن لم يوجد إلا العدد المعتبر في الحكم فهو فرض عين كما جزم به الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما ، وهو واضح جار على القواعد ، وفي كلام الشافعي ما يقتضيه اه . ومحله أيضا في غير الحدود كما صرح به الماوردي لأنها تدرأ الشبهات . وهذه المسألة مكررة فإنها ذكرت في السير . ولا يلزم الشاهد كتابة الصك ورسم الشهادة إلا بأجرة فله أخذها كما له ذلك في تحمل إذا ادعي له كما سيأتي . وأجرة رسم الشهادة ليست داخلة في أجرة التحمل ، وله بعد كتابته حبسه عنده للأجرة كالقصار في الثوب ، وكتمان الشهادة حرام لآية : * ( ولا تكتموا الشهادة ) * ولأنها أمانة حصلت عنده فعليه أداؤها . ( و ) على هذا ( إذا لم يكن في القضية إلا اثنان ) بأن لم يتحمل سواهما أو مات غيرهما أو جن أو فسق أو غاب . وجواب إذا قوله : ( لزمهما الأداء ) إن دعيا له ، لقوله تعالى : * ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) * ، أي للأداء ، ولأنه يؤدي فرضا التزمه في ذمته . ( فلو أدى واحد ) منهما ( وامتنع الآخر ) بلا عذر ، سواء كان بعد أداء صاحبه أم قبله ، ( وقال ) للمدعي : ( احلف معه ) عصى وإن كان القاضي يرى الحكم بشاهد ويمين ، لأن من مقاصد الاشهاد التورع عن اليمين فلا يفوت عليه ، وكذا لو امتنع شاهد رد لوديعة ، وقالا له : احلف على ردها ، عصيا . ( وإن كان ) في القضية ( شهود )