الخطيب الشربيني

396

مغني المحتاج

له لا لأنه طريق للتذكر ، وإنما تعددت لأنها لو كانت واحدة ودفعها للمحكوم عليه لم يؤمن من ضياعها . وما يجتمع عند الحاكم يضم بعضه إلى بعض ويكتب عليه محاضر كذا في شهر كذا ، وإذا احتاج إليه تولى أخذه بنفسه ونظر أولا إلى ختمه وعلامته . تنبيه : ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي : الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، وقد يقتصر على الكتاب والسنة ، ويقال : الاجماع يصدر عن أحدهما ، والقياس يرد إلى أحدهما . وليس قول الصحابي إن لم ينتشر في الصحابة حجة ، لأنه غير معصوم عن الخطأ ، لكن يرجح به أحد القياسين على الآخر ، وإذا كان ليس بحجة فاختلاف الصحابة في شئ كاختلاف سائر المجتهدين . فإن انتشر قول الصحابي في الصحابة ووافقوه فإجماع حر في حقه ، فلا يجوز له مخالفة الاجماع ، فإن سكتوا فحجة إن انقرضوا وإلا فلا ، لاحتمال أن يخالفوه لأمر عرض لهم . قالا : والحق مع أحد المجتهدين في الفروع ، قال صاحب الأنوار : وفي الأصول . والآخر مخطئ مأجور لقصده . ( وإذا ) تقرر ذلك ثم ( حكم ) قاض ( باجتهاده ) وهو من أهله وإن لم يطلب الخصم ، ( ثم بان ) حكمه ( خلاف نص الكتاب ، أو السنة ) المتواترة ، أو الآحاد ( أو ) خلاف ( الاجماع ، أو قياس جلي ) وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع ، أو يبعد تأثيره كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في قوله تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ) * وما فوق الذرة بها في قوله : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * ، وكذا ما قطع فيه بالمساواة ، وإن لم يكن أولى كقياس الأمة على العبد في السراية وغير السمن من المائعات عليه في حكم وقوع الفأرة . قال الرافعي : وربما خص بعضهم اسم الجلي بما كان الفرع فيه أولى بحكم الأصل ، وسمى ما كان مساويا واضحا . ( نقضه هو ) أي يلزمه لك ، وإن لم يرفع إليه كما صرح به الماوردي والإمام والغزالي وغيرهم فيتتبع أحكامه لنقضها . ( و ) نقضه ( غيره ) أيضا ، وإن لم يجز له تتبع أحكام غيره في أحد وجهين صححه الفارقي وعزاه الماوردي إلى جمهور البصريين . فأما النقض لمخالفة الاجماع فبالاجماع والباقي في معناه ، فقد قال ( ص ) : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد . وكان عمر رضي الله تعالى عنه يفاضل بين الأصابع في الدية لتفاوت منافعها حتى روى له الخبر في التسوية فنقض حكمه ، رواه الخطابي في المعالم . وقضى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فيمن رد عبدا بعيب أنه يرد معه خراجه ، فأخبره عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ( ص ) قضى أن الخراج بالضمان فرجع ، وقضى بأخذ الخراج من الذي أخذه ، رواه الشافعي في مسنده . ونقض علي رضي الله تعالى عنه قضاء شريح في ابني عم أحدهما أخ لام بأن المال للأخ متمسكا بقوله تعالى : * ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) * فقال له علي : قال الله تعالى : * ( وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ) * . قال الزركشي : وفي معنى قول المصنف باجتهاده ما إذا كان مقلدا ولي للضرورة ، وحكم بخلاف نص إمامه مقلدا لوجه ضعيف ، فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد كما قاله في الروضة في الكلام على الفتوى ، قال : ويجب نقضه ، ولا شك في نقض ما صدر من مقلد غير متبحر بخلاف المعتمد عند أهل المذهب ، ولو حكم بغير مذهب من قلده لم ينقض بناء على أن للمقلد تقليد من شاء . تنبيه : صيغة النقض : نقضته وفسخته أو نحو ذلك كأبطلته . ولو قال : هذا باطل أوليس بصحيح فوجهان ، وينبغي أن يكون نقضا . وفي تعبيرهم بنقض وانتقض مسامحة ، إذ المراد أن الحكم لم يصح من أصله ، نبه عليه ابن عبد السلام . وعلى القاضي إعلام الخصمين بصورة الحال ، قال الماوردي : ويجب على القاضي أن يسجل بالنقض كما سجل بالحكم ليكون التسجيل الثاني مبطلا للأول كما صار الثاني ناقضا للحكم الأول ، فإن لم يكن قد سجل بالحكم لم يلزمه الاسجال بالنقض ، وإن كان الاسجال به أولى . وقوله ( لا ) إن بان خلاف قياس ( خفي ) تصريح بمفهوم جلي . وأراد بالخفي ما لا يزيل احتمال المفارقة ولا يبعد ، كقياس الأرز على البر في باب الربا بعلة الطعم ، فلا ينقض الحكم