الخطيب الشربيني

390

مغني المحتاج

بأن القاضي أجدر بالاحتياط منه . فإن قيل : الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وهنا عدمه . أجيب بأن ما هناك في المحتاج وما هنا في غيره . ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء كما مر في بابها وأجرة الكاتب ولو كان القاضي وثمن الورق الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات وغيرهما من بيت المال ، فإن لم يكن فيه مال أو احتيج إليه إلى ما هو أهم فعلى من له العمل من مدع ومدعى عليه إن شاء كتابة ما جرى في خصومته ، وإلا فلا يجبر على ذلك ، لكن يعلمه القاضي له أنه إذا لم يكتب ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه . وللإمام أن يأخذ من بيت المال لنفسه ما يليق به من خيل وغلمان ودار وأمتعة ، ولا يلزمه الاقتصار على ما اقتصر عليه النبي ( ص ) والخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين لبعد العهد عن زمن النبوة التي كانت سببا للنصر بالرعب في القلوب ، فلو اقتصر اليوم على ذلك لم يطع وتعطلت الأمور . ويرزق الإمام أيضا من بيت المال كل من كان عمله مصلحة عامة للمسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب والمؤذن وإمام الصلاة ومعلم القرآن وغيره من العلوم الشرعية والقاسم والمقوم والمترجم وكاتب الصكوك ، فإن لم يكن في بيت المال شئ لم يندب أن يعين قاسما ولا كاتبا ولا مقوما ولا مترجما ولا مسمعا ولا مزكيا ، وذلك لئلا يغالوا بالأجرة . ( ويتخذ درة ) بكسر الدال المهملة وتشديد الراء ، ( للتأديب ) اقتداء ب عمر رضي الله تعالى عنه . تنبيه : قد يفهم كلام المصنف أن القاضي لا يؤدب بالسوط ، وليس مرادا ، بل له ذلك إن أدى إليه اجتهاده . فائدة : قال الشعبي : كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج . قال الدميري : وفي حفظي من شيخنا أنها كانت من نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه ما ضرب بها أحدا على ذنب وعاد إليه . ( و ) يتخذ ( سجنا لأداء حق ) الله تعالى أو الآدمي ، ( ولتعزير ) لأن عمر رضي الله تعالى عنه اشترى دارا بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنا ، رواه البيهقي وعبد الرازق في مصنفه . وفي البخاري : بأربعمائة . تنبيه : لو امتنع مديون من أداء ما عليه تخير القاضي من بيع ماله بعير إذنه وبين سجنه ليبيع مال نفسه كما في الروضة في باب التفليس نقلا عن الأصحاب . ولا يسجن والد بدين ولده في الأصح ، ولا من استؤجرت عينه لعمل وتعذر عمله في السجن كما في فتاوى الغزالي ، ونفقة المسجون في ماله وكذا أجرة السجن والسجان . ولو استشعر القاضي من المحبوس الفرار من حبسه فله نقله إلى حبس الجرائم كما في الروضة وأصلها عن ابن القاص . ولو سجن لحق رجل فجاء آخر وادعى عليه أخرجه الحاكم بغير إذن غريمه ثم رده والحبس لمعسر عذر في ترك الجمعة له . ويتخذ أعوانا ثقات . قال شريح الروياني : وأجرة العين على الطالب إن لم يمتنع خصمه من الحضور ، فإن امتنع فالأجرة عليه لتعديه بالامتناع . ( ويستحب كون مجلسه ) أي القاضي ( فسيحا ) لأن الضيق يتأذى منه الخصوم ، ( بارزا ) أي ظاهرا ليعرفه من أراده من مستوطن وغريب ( مصونا من أذى حر وبرد ) بأن يكون في الصيف في مهب الريح وفي الشتاء في كن . ويكون مصونا أيضا من كل ما يؤذى من نحو الروائح والدخان والغبار . ( لائقا بالوقت ) فيجلس في كل فصل من الصيف والشتاء وغيرهما بما يناسبه ، فيجلس في الصيف في مهب الريح وفي الشتاء في كن ، وهذا معلوم من قوله قبل : مصونا . ولو عبر بما قاله في المحرر ، فإنه قال : لائقا بالوقت لا يتأذى فيه بالحر والبرد ، فجعل ذلك مثل اللائق لا صفة أخرى كان أولى . وزاد على المحرر قوله : ( والقضاء ) كأن يكون دارا ( لا مسجد ) فيكره اتخاذه مجلسا للحكم ، لأن مجلس القاضي لا يخلو عن اللغط وارتفاع الأصوات . وقد يحتاج لاحضار المجانين والصغار والحيض والكفار والدواب والمسجد يصان عن ذلك . وفي مسلم : أنه ( ص ) حين سمع من ينشد ضالته في المسجد قال : ( إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت له ) فإن اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها فلا بأس بفصلها ، وعلى ذلك يحمل ما جاء عنه ( ص ) وعن خلفائه في القضاء في