الخطيب الشربيني

379

مغني المحتاج

صفة القاضي . نعم يستثنى التحكيم في عقد النكاح ، فإنه يجوز فيه تحكيم من لم يكن مجتهدا كما مر ذلك في بابه . واستثنى البلقيني من جواز التحكيم الوكيلين ، فلا يكفي تحكيمهما ، بل المعتبر تحكيم الموكلين والوليين ، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما . والمحجور عليه بالفلس لا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه . والمأذون له في التجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما ، بل لا بد من رضا المالك . والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه ، قال : ولم أر من تعرض لذلك . ( وفي قول ) من طريق : ( لا يجوز ) التحكيم مطلقا لما فيه من الافتيات على الإمام . ( وقيل ) أي وفي وجه من طريق : يجوز التحكيم ( بشرط عدم قاض بالبلد ) لوجود الضرورة حينئذ . ( وقيل ) أي وفي وجه من طريق : ( يختص ) جواز التحكيم ( بمال ) لأنه أخف ( دون قصاص ونكاح ونحوهما ) كلعان وحد قذف لخطر أمرها ، فتناط بنظر القاضي ومنصبه . والصحيح عدم الاختصاص ، لأن من صح حكمه في مال صح في غيره كالمولى من جهة الإمام . تنبيه : لا يأتي التحكم في حدود الله تعالى ، إذ ليس لها طالب معين . ويؤخذ من هذا التعليل أن حق الله تعالى المالي الذي لا طالب له معين لا يجوز فيه التحكيم . ( و ) المحكم ( لا ينفذ حكمه إلا على راض به ) قبل حكمه ، لأن رضا الخصمين هو المثبت للولاية ، فلا بد من تقدمه . تنبيه : محل اشتراط الرضا حيث لم يكن أحد الخصمين القاضي ، فلو تحاكم القاضي مع شخص عند محكم لم يشترط رضا الآخر على المذهب بناء على أن ذلك تولية . ورده ابن الرفعة بأن ابن الصباغ وغيره قالوا : ليس التحكيم تولية ، فلا يحسن البناء . وأجيب بأن محل هذا إذا صدر التحكيم من غير قاض فيحسن البناء . ( فلا يكفي رضا قاتل ) بحكمه ( في ضرب دية على عاقلته ) بل لا بد من رضا العاقلة ، لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني فكيف يؤاخذون برضاه . ويشترط استدامة الرضا إلا تمام الحكم ، ( و ) حينئذ ( إن رجع أحدهما قبل ) تمام ( الحكم ) ولو بعد إقامة البينة والشروع فيه ، ( امتنع الحكم ) لعدم استمرار الرضا . ( ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر ) كحكم المولى من جهة الإمام . والثاني : يشترط ، لأن رضاهما معتبر في أصل الحكم فكذا في لزومه . تنبيه : ليس للمحكم أن يحبس ، بل غايته الاثبات والحكم ، وقضيته أنه ليس له الترسيم ، قال الرافعي نقلا عن الغزالي : وإذا حكم بشئ من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه لأن ذلك يحرم أبهة الولاية ، وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة ، إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل ، قاله الماوردي . ولا يحكم لنحو ولده ممن يتهم في حقه ولا على عدوه كما في القاضي لأنه لا يزيد عليه ، ويمضي حكم المحكم كالقاضي ولا ينقض حكمه إلا بما ينقض به قضاء غيره . فرع : يجوز أن يتحاكما إلى اثنين ، فلا ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا . ويفارق تولية قاضيين على اجتماعهما على الحكم لظهور الفرق ، قاله في المطلب . ( ولو نصب ) الإمام ببلد ( قاضيين في بلد وخص كلا بمكان ) منه يحكم فيه ، ( أو زمان ) كيوم كذا ، ( أو نوع ) من الحكم كأن جعل أحدهما يحكم في الأموال والآخر في الدماء والفروج ، ( جاز ) لعدم المنازعة بينهما . تنبيه : شمل كلامه ما لو ولى الإمام قاضيا يحكم بين الرجال وآخر يحكم بين النساء ، وهو ما جزم به الإمام . وعلى هذا لو اختصم رجل وامرأة لم يفصل واحد منهما الخصومة فلا بد من ثالث يتولى القضاء بين الرجال والنساء ،