الخطيب الشربيني

373

مغني المحتاج

حتى يسأل لأنها من الحقوق المسترعاة . وقد مر في كتاب السير أنه يجب على الإمام أن يولي في كل مسافة عدوى قاضيا كما يجب عليه أن يجعل في كل مسافة قصر مفتيا ، وتقدم هناك الفرق بينهما . قال البلقيني : وأما إيقاع القضاء بين المتنازعين ففرض عين على الإمام بنفسه أو نائبه ، وإن ترافعا إلى النائب فإيقاع القضاء بينهما فرض عين عليه ، ولا يجوز له الدفع إذا كان فيه تعطيل وتطويل نزاع : ( فإن تعين ) للقضاء واحد في تلك الناحية بأن لم يصلح غيره ، ( لزمه طلبه ) إن لم يعرض عليه للحاجة إليه ، ولا يعذر لخوف ميل منه ، بل يلزمه أن يطلب ويقبل ويحترز من المال كسائر فروض الأعيان . تنبيه : محل وجوب الطلب إذا ظن الإجابة كما بحثه الأذرعي ، فإن تحقق أو غلب على ظنه عدمها لما علم من فساد الزمان وأئمته لم يلزمه ، فإن عرض عليه لزمه القبول ، فإن امتنع عصى ، وللإمام إجباره على الأصح ، لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره فأشبه صاحب الطعام إذا منعه المضطر . فإن قيل : إنه بامتناعه حينئذ يصير فاسقا ، ويحمل قولهم على أنه يجبر أنه يؤمر بالتوبة أو لا ، فإذا تاب أجبر . أجيب بأنه لا يفسق بذلك لأنه يمتنع غالبا إلا متأولا للتحذيرات الواردة في الباب ، واستشعاره من نفسه العجز ، وعدم اعتماده على نفسه الامارة بالسوء ، وكيف يفسق من امتنع متأولا تأويلا سائغا أداه اجتهاده إليه وأن المنجى له من عذاب الله وسخ طه عدم التلبس بهذا الامر ، وقد يرى هو أنه لا يعرف إلا باعترافه ، فالوجه عدم فسقه بمجرد امتناعه خوفا على دينه أو غير ذلك من الاعذار الباطنة الخفية علينا ، ولا يعصي بذلك أيضا لما ذكر . ولو خلا الزمان عن إمام رجع الناس إلى العلماء ، فإن كثر علماء الناحية فالمتبع أعلمهم ، فإن استووا وتنازعوا أقرع كما قاله الإمام . ( وإلا ) بأن لم يتعين للقضاء واحد في تلك الناحية لوجود غيره معه نظرت ، ( فإن كان غيره أصلح ) لتولية القضاء منه ( وكان ) الأصلح ( يتولاه ) أي يرضى بتوليته ، ( فللمفضول ) المتصف بصفة القضاء وهو غير الأصلح ( القبول ) للتولية إذا بذل له من غير طلب في الأصح . ( وقيل : لا ) يجوز له قبولها . ( و ) على الأول ( يكره طلبه ) لوجود من هو أولى منه ، ( وقيل : يحرم ) واستشكله الإمام بأنه إذا كان النصب جائزا فكيف يحرم طلب الجائز ؟ ونظير هذا سؤال الصدقة في المسجد ، فإنه لا يجوز . ويجوز إعطاؤه على الأصح ، إذ الاعطاء باختيار المعطي فالسؤال كالعدم . وعلى الثاني يحرم طلبه . تنبيه : أشعر قوله : يتولاه تخصيص الخلاف برضاه بالتولية ، فإن لم يرض بها فكالعدم ، وهو كذلك كما في الروضة وأصلها . ومحله أيضا حيث لا عذر ، فإن كان لكون المفضول أطوع في الناس أو أقرب للقلوب أو كان الأفضل غائبا أو مريضا انعقد للمفضول جزما كما قاله الماوردي . ( وإن كان ) غيره ( مثله ) وسئل بلا طلب ، ( فله القبول ) لأنه من أهله ولا يلزمه على الأصح لأنه قد يقوم به غيره . وقد امتنع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما سأله عثمان رضي الله عنه القضاء ، رواه الترمذي . وعرض على الحسين بن منصور النيسابوري قضاء نيسابور ، فاختفى ثلاثة أيام ودعا الله تعالى فمات في اليوم الثالث . وورد كتاب السلطان بتولية نصر بن علي الجهضمي عشية قضاء البصرة ، فقال : أشاور نفسي الليلة وأخبركم غدا ، وأتوا عليه من الغد فوجدوه ميتا . وقال مكحول : لو خيرت بين القضاء والقتل اخترت القتل . وامتنع منه الإمام الشافعي رضي الله عنه لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب . وامتنع منه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه لما استدعاه المنصور فحبسه وضربه . وحكى القاضي الطبري وغيره أن الوزير بن الفرات طلب أبا علي بن خيران لتولية القضاء ، فهرب منه فختم على دوره نحوا من عشرين يوما ، كما قيل فيه : وطينوا الباب على أبي علي عشرين يوما ليلي فما ولي وقال بعض القضاة : وليت القضاء وليت القضاء لم يكن شيئا توليته