الخطيب الشربيني
326
مغني المحتاج
الكتاب لو حلف على فعل واجب أو ترك حرام أطاع باليمين وعصى بالحنث وعليه به الكفارة . ( أو ) حلف على ( ترك مندوب ) كسنة الضحى ( أو ) على ( فعل مكروه ) كالتفاته بوجهه في الصلاة ( سن حنثه وعليه الكفارة ) لأن اليمين والإقامة عليها مكروهان ، لقوله تعالى : * ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ) * الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه وقد حلف أن لا يبر مسطحا ، فقال أبو بكر بلى رب وبره ، وأجيب عن حديث الاعرابي حيث لم ينكر عليه ( ص ) في قوله : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه بأن يمينه تضمنت طاعة وهو امتثال الامر ، ويحتمل أنه سبق لسانه إلى قوله لا أزيد فكان من لغو اليمين . تنبيه : اختلف فيما لو حلف لا يأكل طيبا ولا يلبس ناعما ، فقيل مكروه لقوله تعالى : * ( قل من حرم زينة الله ) * الآية ، وقيل : طاعة لما عرف من اختيار السلف خشونة العيش ، وقيل : يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغهم للعبادة واشتغالهم بالضيق والسعة ، وهذا كما قال الرافعي الصواب . ( أو ) على ( ترك مباح ) معين ( أو فعله ) كدخول دار وأكل طعام ولبس ثوب ( فالأفضل ) له ( ترك الحنث ) بل يسن لما فيه من تعظيم الله تعالى وقد قال تعالى : * ( ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ) * ( وقيل ) الأفضل له ( الحنث ) لينتفع الفقراء بالكفارة ، قال الأذرعي : ويشبه أن محل الخلاف ما إذا لم يكن في ذلك أذى للغير ، فإن كان بأن حلف لا يدخل دار أحد أبويه أو أقاربه أو صديق يكره ذلك فالأفضل الحنث قطعا ، وعقد اليمين على ذلك مكروه بلا شك ، وكذا حكم الاكل واللبس . تنبيه : من حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه وكره حنثه وعليه بالحنث كفارة ، وقد علم بما تقرر أن اليمين لا تغير حال المحلوف عليه عما كان وجوبا وتحريما وندبا وكراهة إباحة ، لكن قول المتن في المباح : الأفضل ترك الحنث فيه تغير للمحلوف عليه ، ولذلك رجح بعضهم أن فيه التخيير بين الحنث وعدمه فيكون جاريا على القاعدة . ( وله ) أي الحالف ( تقديم كفارة بغير صوم ) من عتق أو إطعام أو كسوة ( على حنث جائز ) واجب أو مندوب أو مباح لقوله ( ص ) : فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح . ولأنه حق مالي وجب بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحدهما كالزكاة قبل الحول ، لكن الأولى أن لا يكفر حتى يحنث خروجا من خلاف أبي حنيفة ، واحترز بقوله على حنث عن تقديمها على اليمين فإنه يمتنع بلا خلاف ، وكذا مقارنتها لليمين ، كما لو وكل من يعتق عنها مع شروعه في اليمين . أما الصوم فيمتنع تقديمه على الحنث على الصحيح ، لأنه عبادة بدنية فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة كصوم رمضان ، واحترز بغير حاجة عن الجمع بين الصلاتين ( قيل : و ) له تقديمها على حنث ( حرام ) كالحنث بترك واجب أو فعل حرام ( قلت : هذا ) الوجه ( أصح ، والله أعلم ) من مقابله وهو المنع الذي جرى عليه في المحرر ، وعلله بأنه يتطرق به لارتكاب محظور ، والتعجيل رخصة فلا تليق بالعاصي ، لأن الحظر في الفعل ليس من حنث اليمين ، لأن المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها فالتكفير لا يتعلق به استباحة . تنبيه : إذا قدم الكفارة على الحنث ولم يحنث استرجع كالزكاة ، قاله الدارمي . ولو قدم العتق اشترط في إجزائه بقاء العتيق حيا مسلما إلى الحنث ، فلو مات أو ارتد قبله لم يجزه ، ولو أعتق عبدا عن كفارته ومات قبل حنثه كأن عتقه تطوعا كما صرح به البغوي في فتاويه . فروع : لو قال : أعتقت عبدي عن كفارتي إن حنثت فحنث أجزأه ، وإن قال : إن حلفت لم يجزه ، ولو قال : إن حنثت غدا فعبدي حر عن كفارتي ، فإن حنث غدا عتق وأجزأه عنها ، وإلا فلا . ولو قال : أعتقته عن كفارتي إن حنثت فبان حانثا عتق وأجزأه عنها ، وإلا فلا . نعم إن حنث بعد ذلك أجزأه عنها ، ولو قال : إن حلفت وحنثت فبان