الخطيب الشربيني
29
مغني المحتاج
لقطها ، والأصح أن حكومة منابتهن تجب إن لقط لا إن أخذ ديتهن ، وعلل بأن الحكومة من جنس الدية ، بخلاف القصاص فإنه ليس من جنسها فدخلت فيها دونه ، وقد يجاب بأنه هنا متمكن من استيفاء حقه بخلافه فيما سيأتي ، ولو قطع يده من المرفق فرضي عنها بكف وإصبع لم يجز لعدوله عن محل الجناية مع القدرة عليه ، فإن قطعها من الكوع عزر ، ولا غرم عليه لما مر وهدر الباقي فليس له قطعة ولا طلب حكومته لأنه بقطعه من الكوع ترك بعض حقه وقنع ببعضه كما نقله الإمام والبغوي عن الأصحاب ، وإن قال البغوي : عندي له حكومة الساعد ، ويفارق ما مر في الصورة السابقة من أن له قطع الباقي بأن القاطع من الكوع مستوف لمسمى اليد بخلاف ملتقط الأصابع ( ولو كسر عضده وأبانه ) أي المكسور قطع من الموفق لأنه أقرب مفصل إلى محل الجناية والعضد من مفصل المرفق إلى الكتف ( وله حكومة الباقي ) لتعذر القصاص فيه . فإن قيل : هذه المسألة قد علمت من قوله قبل : وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر وحكومة الباقي فلا فائدة لذكرها . أجيب بأنه إنما أعادها لأجل التفريع عليها وهو قوله : ( فلو طلب الكوع ) للقطع ( مكن ) منه ( في الأصح ) لأنه عاجز عن القطع في محل الجناية ، وهو بالعدول تارك لبعض حقه فلا يمنع منه ، وله حكومة الساعد مع حكومة المقطوع من العضد لأنه لم يأخذ عوضا عنه . والثاني ورجحه في الشرح الصغير وصاحب الأنوار لا ، لعدوله عما هو أقرب إلى محل الجناية . ولم يصرحا في الشرح والروضة بترجيح . قال البلقيني : والأرجح ما في المنهاج وتبعه الدميري ، وعلى ما في الشرح الصغير : لو قطع من الكوع ثم أراد القطع من المرفق لم يمكن كما جزما به في الروضة وأصلها . قال الزركشي : ويحتاج إلى الفرق بينه وبين مسألة التقاط الأصابع ، فإن له قطع الكف بعده اه . وفرق بأنه هناك يعود إلى محل الجناية وههنا إلى غير محلها ، وإنما جوزنا قطع ما دونه للضرورة ، فإذا قطع مرة لم يكرره . ( ولو أوضحه ) مثلا ( فذهب ضوءه ) من عينيه معا ( أوضحه ) طلبا للمماثلة ( فإن ذهب الضوء ) من عيني الجاني فذاك ( وإلا ) بأن لم يذهب بذلك ( أذهبه ) إن أمكن ذهابه مع بقاء الحدقة بقول أهل الخبرة ( بأخف ) أمر ( ممكن ) في إذهاب به كطرح كافور ، و ( كتقريب حديدة محماة من حدقته ) كما أذهب ضوءه بها شمة ونحوها مما لا يجري فيه القصاص ، قال لم يمكن إذهاب الضوء أصلا أو لم يمكن إلا بإذهاب الحدقة سقط القصاص ووجبت الدية كما قاله المتولي وغيره . وقال الأذرعي : إنه متعين ، ولو نقص الضوء امتنع القصاص إجماعا ( ولو لطمة ) أي ضربة على وجهه بباطن راحته ( لطمة تذهب ضوءه ) بفتح الضاد وضمها من عينيه ( غالبا فذهب ) ضوءه ( لطمة مثلها ) طلبا للمماثلة ليذهب بها ضوءه ( فإن لم يذهب ) باللطمة ( أذهب ) بالطريق المتقدر مع بقاء الحدقة إن أمكن وإلا أخذت الدية ، وفي وجه رجحه البغوي واستحسنه في الروضة كأصلها لا يقتص في اللطمة لعدم انضباطها ، ولهذا لو انفردت عن إذهاب الضوء لم يجب فيها قصاص ، وأما لو ذهب الضوء من إحدى عينيه فإنه لا يلطم لاحتمال أن يذهب منهما بل يذهب بالمعالجة إن أمكن وإلا فالدية ، واحترز بغالبا عما إذا لم تذهب اللطمة غالبا الضوء فإنه لا قصاص فيها كما صرح به الروياني . ( والسمع ) أي إذهابه بجناية على الاذن ( كالبصر يجب القصاص فيه بالسراية ) لأن له محلا مضبطا . وقيل : لا قود فيه لأنه في غير محل الجناية فلا يمكن القصاص فيه . قال البلقيني : وهو الصواب فقد نص عليه في الام ، وقال الأذرعي : إنه المذهب المنصوص اه . ومع هذا المعتمد ما في المتن ( وكذا البطش والذوق والشم ) أي إذهابها بجناية على يد أو رجل أو فم أو رأس يجب القصاص فيها بالسراية ( في الأصح ) في الجميع لأن لها محال مضبوطة ولأهل الخبرة طرق في إبطالها . والثاني المنع إذ لا يمكن القصاص فيها .