الخطيب الشربيني
256
مغني المحتاج
الجوانب إذ لا جار لهم ( ويمنع الذمي ) الذكر المكلف في بلاد المسلمين ( ركوب خيل ) لقوله تعالى * ( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) * ، فأمر أولياءه بإعدادها لأعدائه ، ولما في الصحيحين من حديث عروة البارقي : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، وعني به الغنيمة وهم مغنومون . وروي : الخيل ظهورها عز . أما إذا انفردا ببلدة أو قرية في غير دارنا لم يمنعوا في أقرب الوجهين إلى النص كما قاله الأذرعي ، قال : ولو استعنا بهم في حرب حيث يجوز ، فالظاهر تمكينهم من ركوبها زمن القتال . تنبيه : ظاهر كلامه أنه لا فرق في منع ركوب الخيل بين النفيس منها والخسيس ، وهو ما عليه الجمهور ، لكن استثنى الجويني وغيره منها البراذين الخسيسة ، وجرى عليه ابن المقري . ( لا ) ركوب ( حمير ) قطعا ولو رفيعة القيمة ( و ) لا ( بغال نفيسة ) في الأصح لأنها في نفيسة خسيسة ، وألحق الإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل واختاره الأذرعي وغيره ، فإن التجمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل . وقال البلقيني : لا توقف عندنا في الفتوى بذلك لأنه لا يركبها في هذا الزمان في الغالب إلا أعيان الناس أو من يتشبه بهم اه . ويمنع تشبههم بأعيان الناس ، أو من يتشبه بهم ، وقول المصنف ( ويركب بإكاف ) - بكسر الهمزة - أي برذعة ونحوها ، وقد مر الكلام على ذلك في باب الإجارة ( وركاب خشب لا حديد ) ونحوه ( ولا سرج ) اتباعا لكتاب عمر رضي الله تعالى عنه ، والمعنى فيه أن يتميزوا عن المسلمين ، وله الركوب على سرج من خشب كما نقله الزركشي عن الماوردي ، ويركب عرضا بأن يجعل رجليه من جانب واحد وظهره من جانب آخر . قال الرافعي : ويحسن أن يتوسط فيفرق بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد أو إلى بعيدة ، وهو ظاهر ، ويمنع من حمل السلاح ومن اللجم المزينة بالنقدين . قال الزركشي : ولعل منعه من حمل السلاح محمول على الحضر ونحوه دون الاسفار المخوفة والطويلة . أما النساء والصبيان ونحوهما فلا يمنعون من ذلك كما لا جوية عليهم ، حكاه في أصل الروضة عن ابن كج وأقره . فإن قيل : قد صححوا أن النساء يؤمرن بالغيار والزنار والتمييز في الحمام ، فكان ينبغي أن يكون هنا كذلك ؟ : أجيب بأن ما هناك كالضرورة لحصول التمييز به بخلاف ما هنا . قال ابن الصلاح : وينبغي منعهم من خدمة الملوك والامراء كما يمنعون من ركوب الخيل ( ويلجأ ) الذمي عند زحمه المسلمين ( إلى أضيق الطرق ) بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار لقوله ( ص ) : لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه . أما إذا خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج . قال في الحاوي : ولا يمشون إلا أفرادا متفرقين ( ولا يوقرون ولا يصدرون في مجلس ) فيه مسلم لأن الله تعالى أذلهم ، والظاهر كما قال الأذرعي تحريم ذلك . فائدة : دخل محمد بن الوليد الطرطوشي على الملك الأفضل ابن أمير الجيوش ، وكان إلى جانبه رجل نصراني فوعظ الطرطوشي الأمير حتى بكى ، ثم أنشد : يا ذا الذي طاعته قربة وحبه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله أي محمد ( ص ) . يزعم هذا - أي النصراني - أنه كاذب . فأقامه الأفضل من موضعه ، هكذا كانت العلماء إذا دخلت على الملوك ، وتحرم مودة الكافر لقوله تعالى * ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) * . فإن قيل قد مر في باب الوليمة إن مخالطته مكروهة ؟ . أجيب بأن المخالطة إلى الظاهر . والمودة إلى الميل القلبي ، فإن قيل : الميل القلبي لا اختيار للشخص فيه ؟ . أجيب بإمكان رفعه بقطع أسباب المودة التي ينشأ عنها ميل القلب ، كما قيل : الإساءة تقطع عروق المحبة . ( ويؤمر ) الذمي والذمية المكلفان في الاسلام وجوبا ( بالغيار ) - بكسر المعجمة - وإن لم يشرط عليهم ، وهو أن يخيط كل منهما بموضع لا يعتاد الخياطة عليه ، كالكتف على ثوبه الظاهر ما يخالف لونه لون ثوبه ويلبسه : وذلك للتمييز ، ولان عمر رضي الله تعالى عنه