الخطيب الشربيني

209

مغني المحتاج

المهاجرين والقاعدين ، ووعد كلا الحسنى ، والعاصي لا يوعد بها ، ولا يفاضل بين مأجور ومأزور ، وأما قبل الهجرة فكان ممنوعا أول الاسلام من قتال الكفار مأمورا بالصبر على الأذى ، وكذلك من تبعه بقوله تعالى * ( لتبلون في أموالكم ) * الآية . ثم هاجر إلى المدينة بعد ثلاث عشرة سنة من مبعثه ، وقيل بعد عشرة في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ، فأقام بها عشرا بالاجماع ، ثم أمر به إذا ابتدئ به بقوله تعالى : * ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) * ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله تعالى * ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) * الآية . ثم أمر به من من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله تعالى * ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) * . وقد غزا ( ص ) سبعا وعشرين غزوة قاتل فيها في تسع سنين كما حكاه الماوردي ففي مسلم عن زيد بن أرقم : أنه ( ص ) غزا تسع عشرة ، وبعث صلى الله عليه وسلم سرايا ، ولم يتفق في كلها قتال ، فلنذكر من غزواته صلى الله عليه وسلم أشهرها : ففي السنة الأولى من هجرته لم يغز ، وكانت غزوة بدر الكبرى في الثانية ، وأحد ، ثم بدر الصغرى ، ثم بني النضير في الثالثة والخندق في الرابعة ، وذات الرقاع ، ثم دومة الجندل ، وبني قريظة في الخامسة ، والحديبية وبني المصطلق في السادسة ، وخيبر في السابعة ، ومؤتة ، وذات السلاسل ، وفتح مكة ، وحنين ، والطائف في الثامنة ، وتبوك في التاسعة على خلاف في بعض ذلك ، والأنبياء معصومون قبل النبوة من الكفر لما روي أنه ( ص ) قال : ما كفر بالله نبي قط وفي عصمتهم قبلها من المعاصي خلاف وهم معصومون بعدها من الكبائر ومن كل ما يزرى بالمروءة ، وكذا من الصغائر ولو سهوا عند المحققين لكرامتهم على الله تعالى أن يصدر عنهم شئ منها وتأولوا الظواهر الواردة فيها وجوز الأكثرون صدورها عنهم سهوا إلا الدالة على الخسة : كسرقة لقمة . قال في الروضة : واختلفوا هل كان ( ص ) قبل النبوة يتعبد على دين إبراهيم أو نوح أو موسى أو عيسى أو لم يلتزم دين أحد منهم ؟ والمختار أنه لا يجزم في ذلك بشئ لعدم الدليل انتهى . وصحح الواحدي الأول وعزى إلى الشافعي ، واقتصر الرافعي على نقله عن صاحب البيان . وتوفي ( ص ) ضحى يوم الاثنين لاثني عشر خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة . ( وقيل ) كان الجهاد في عهده ( ص ) فرض ( عين ) لقوله تعالى * ( انفروا خفافا وثقالا ) * * ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) * وقائله قال : كان القاعدون حراسا للمدينة ، وهو نوع من الجهاد ، وأجاب الأول بأن الوعيد في الآية لمن عينه النبي صلى الله عليه وسلم لتعيين الإجابة . وقال السهيلي : كان فرض عين على الأنصار دون غيرهم لأنهم بايعوا عليه . قال شاعرهم : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وقد يكون الجهاد في عهده ( ص ) فرض عين بأن أحاط عدو بالمسلمين كالأحزاب من الكفار الذين تحزبوا حول المدينة فإنه مقتض لتعين جهاد المسلمين لهم فصار لهم حالان ، خلاف ما يوهمه قوله ( وأما بعده ) ( ص ) ( فللكفار حالان : أحدهما يكونون ببلادهم ) مستقرين بها غير قاصدين شيئا من بلاد المسلمين ( ففرض كفاية ) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين ، وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الاجماع ، ولو فرض على الأعيان لتعطل المعاش ( إذ فعله من فيهم كفاية سقط الحرج عن الباقين ) لأن هذا شأن فروض الكفايات وتعبيره بالسقوط ظاهر في أن فرض الكفاية يتعلق بالجميع وهو الصحيح عند الأصوليين ، وقوله : من فيهم كفاية يشمل من لم يكن من أهل فرض الجهاد وهو كذلك ، فلو قام به مراهقون سقط الحرج عن أهل الفروض . قال في الروضة : وسقط فرض الكفاية مع الصغر والجنون والأنوثة ، فإن تركه الجميع أثم كل من لا عذر له من الاعذار الآتي بيانها . تنبيه : أقل الجهاد مرة في السنة كإحياء الكعبة ، ولقوله تعالى ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ) * قال مجاهد : نزلت في الجهاد ولفعله صلى الله عليه وسلم منذ أمر به ، ولان الجزية تجب بدلا عنه وهي واجبة في كل سنة فكذا بدلها ، ولأنه فرض يتكرر ، وأقل ما وجب المتكرر في كل سنة كالزكاة والصوم ، فإن زاد على مرة